د. زكريا ملاحفجي
يتردّد هذا السؤال في النقاشات الثقافية والإعلامية كثيرًا، وغالبًا ما يُطرَح بصيغةٍ توحي بأنّ الوعي منتجٌ غربيّ خالص، وأنّ بقية المجتمعات تعيش في هامشه أو تتلقّاه بالتقليد. غير أنّ قراءةً هادئةً في علم النفس والاجتماع وتاريخ الأفكار تكشف أنّ الوعي ليس امتيازًا جغرافيًا ولا ملكيةً حضارية، بل قدرة إنسانية كونية، تتشكّل وفق شروطٍ اجتماعية وثقافية محدّدة: نوعية التعليم، وحرية التساؤل، واستقلال العقل النقدي، وطبيعة الخطاب السائد، وحدود المسموح والمحرَّم في الفضاء العام.
الوعي، في جوهره، ليس مجرد تراكم معلومات، بل نمطُ نظرٍ إلى الذات والعالم: القدرة على التساؤل، والمراجعة، والتفكير المركّب، ورؤية الاحتمالات بدل اليقينيات المغلقة. لذلك يمكن أن نجده في أي مجتمعٍ يهيّئ له شروطه، ويمكن أن يخبو في أي مجتمعٍ يقمع السؤال ويُكافئ الامتثال. المسألة إذن ليست «من يملك الوعي»، بل «كيف يُصنع الوعي، وتحت أي شروط ينمو أو يذبل».
لم تُولد المجتمعات الغربية أكثر وعيًا من غيرها، لكنها استثمرت، عبر قرونٍ من التحولات، في أدوات إنتاج الوعي: البحث العلمي المنهجي، وحرية التفكير والتعبير، وبناء مؤسساتٍ للمساءلة، وتعليمٍ يقوم على التفكير لا التلقين. لم يكن ذلك مسارًا مستقيمًا ولا خاليًا من التناقضات؛ فقد شهدت أوروبا عصورًا من الاستبداد الديني والسياسي، وحروبًا مدمّرة، ومراحل من الإقصاء الفكري. لكنّ الفارق الحاسم كان في تحوّلٍ تاريخيّ جعل السؤال مشروعًا، والشكّ أداةً معرفية، والنقد جزءًا من الصحة الثقافية، لا خيانةً أو خروجًا عن الجماعة.
في المقابل، تمتلك مجتمعاتنا العربية والإسلامية رصيدًا حضاريًا وفلسفيًا وروحيًا عميقًا، أسهم عبر التاريخ في تشكيل مسارات الفكر الإنساني. شهدت مدنٌ مثل بغداد وقرطبة والقاهرة ودمشق عصورًا ازدهر فيها الجدل العقلي، وتعايشت مدارس فكرية متعددة، ونُوقشت قضايا العقل والنقل، والحرية والمسؤولية، واللغة والمعنى. هذا الإرث ليس هامشيًا ولا تابعًا، بل أصيل ومؤثّر. غير أنّ المشكلة لا تكمن في نقص الرصيد، بل في تعطّل آليات تفعيله المعاصر: حين يتحوّل التراث من مصدر إلهامٍ حيّ إلى سلطةٍ نهائية، وحين يُستبدَل السؤال بالمسلّمات، ويُقايَض العقل بالخوف، وتضيق مساحة الاختلاف المشروع.
الوعي لا يُستورَد كما تُستورَد التقنيات، ولا يُفرَض بقراراتٍ فوقية، ولا يُوهَب من الخارج؛ الوعي يُبنى. يُبنى حين يصبح التعليم تدريبًا على التفكير لا حفظًا للإجابات، وحين يُربَّى الطفل على الفضول لا على الامتثال، وحين يُحمى السؤال بدل تجريمه، وحين يُنظر إلى الاختلاف بوصفه شرطًا للنضج لا تهديدًا للهوية. كما يُبنى حين تتأسّس مؤسساتٌ تسمح بالنقد والمساءلة، وتكافئ الكفاءة لا الولاء، وتربط المكانة الاجتماعية بالإنجاز لا بالانتماء.
ثمة عوامل بنيوية تؤثر في مناخ الوعي داخل أي مجتمع.
أولها بنية التعليم: هل يدرّب على التحليل والتركيب وحلّ المشكلات، أم يركّز على التكرار والاختبار؟
ثانيها حرية المعرفة: هل تتاح الكتب والأفكار المتنوعة بلا وصاية، أم تُصنَّف وتُحجب وتُحرَّم؟
ثالثها الخطاب العام: هل يحتمل التعقيد والاختلاف، أم يميل إلى التبسيط الحادّ وتقسيم العالم إلى أبيض وأسود؟
رابعها الاقتصاد المعرفي: هل تُقدَّر المهن الفكرية والبحثية، أم يُهمَّش أهلها؟ وخامسها الثقة الاجتماعية: هل يشعر الفرد بالأمان لطرح رأيه، أم يخشى العواقب الرمزية أو المادية؟
ليس المقصود بالمقارنة بين «الغرب» و«غير الغرب» إطلاق أحكامٍ قيمية أو تبنّي مركزيةٍ ثقافية، بل فهم شروط تشكّل الوعي في سياقات مختلفة. فحتى داخل المجتمعات الغربية نفسها تتفاوت مستويات الوعي باختلاف الطبقة والتعليم والإعلام والبيئة المحلية، كما تشهد تلك المجتمعات أيضًا موجات من الشعبوية والتضليل والقطيعة المعرفية. الوعي ليس حالةً مكتملة تُنال مرةً واحدة، بل عملية مستمرة من البناء والمراجعة، تتعرّض دائمًا للانتكاس بقدر ما تتقدّم.
إنّ اختزال الوعي في جغرافيا معيّنة يُعفي الآخرين من المسؤولية ويحوّل القضية إلى قدرٍ ثقافيّ مغلق. أما النظر إليه كقدرةٍ إنسانية تُغذّيها مؤسساتٌ وثقافةٌ وسياسات، فيعيد المسألة إلى حيز الفعل الممكن. فحيثما تتوفّر حرية السؤال، وتعليم التفكير، ومساءلة السلطة، واحترام التعدّد، ينمو الوعي. وحيثما تُقمع هذه الشروط، يخبو بصرف النظر عن الموقع على الخريطة.
ربما تكون الخطوة الأهمّ اليوم هي استعادة الثقة بإمكان بناء وعيٍ أصيلٍ من داخل مجتمعاتنا، لا على صورةٍ مستنسخة، بل على قاعدةٍ نقدية تحترم التراث دون أن تُؤلّهه، وتنفتح على العالم دون أن تذوب فيه. وعيٌ يرى في الاختلاف فرصةً للتعلّم، وفي النقد شكلًا من أشكال الانتماء، وفي الحرية مسؤوليةً لا فوضى. وعيٌ يعترف بأنّ الحقيقة أوسع من أي سرديةٍ واحدة، وأنّ المجتمعات تتقدّم حين تسمح لأبنائها بأن يفكّروا، لا حين تكتفي بأن يمشوا في صفٍّ واحد.
الفرق، إذن، ليس بين «مجتمعاتٍ واعية» و«أخرى غير واعية»، بل بين بيئاتٍ تهيّئ شروط الوعي وبيئاتٍ تعيقها. وما دام الوعي قدرةً إنسانيةً مشتركة، فإنّ بناءه يظلّ ممكنًا حيثما وُجدت إرادةُ الإصلاح، وشجاعةُ السؤال، ومؤسساتٌ تحمي العقل من الخوف. بهذه الشروط وحدها يتحوّل الوعي من شعارٍ ثقافي إلى ممارسةٍ يومية، ومن مقارنةٍ مُحبِطة إلى مشروعٍ قابلٍ للتحقّق.

