أ.رنا جابي
يشهد العالم المعاصر تسارعًا ملحوظًا في انتقال الإنسان من البيئة البدائية إلى المدن وفي ظل الحروب والنزاعات تطورت هذه الظاهرة حتى طالت أهل المدن حيث حطوا الرحال في بلاد الغرب البعيد، في ظاهرة تُعرف بالتمدّن. غير أنّ هذا التحول، على أهميته، لا يعكس بالضرورة ارتقاءً في الوعي أو السلوك؛ فثمة فرق جوهري بين التمدّن بوصفه انتقالًا مكانيًا، والتحضّر بوصفه تحوّلًا فكريًا وثقافيًا عميقًا.
فالتمدّن هو انتقال الإنسان من نمط العيش البسيط إلى نمط الحياة المدنية، حيث تزداد الكثافة السكانية، وتتنوّع الوظائف، وتتشكّل بنية عمرانية متكاملة من شوارع، ومؤسسات، وأسواق، وخدمات. لذلك اعتبره علماء الاجتماع تحوّلًا ديموغرافيًا مكانيًا، تُقاس مظاهره في حركة المدينة ونبضها العمراني، وفي ازدحامها وتنظيمها الظاهري. إنه، في جوهره، صورة المدينة من الخارج.
أما التحضّر، فهو رحلةٌ أعمق، تتجاوز حدود المكان إلى فضاء القيم والسلوك. إنه تحوّل في طريقة التفكير، وتبنٍّ للعقل المدني الذي يقوم على النظام والتخطيط، واحترام الوقت، والالتزام بالقوانين، والقدرة على إدارة العلاقات وفق أسسٍ واعية تقوم على التعاقد لا القرابة. كما يعكس التحضّر اتساعًا في الأفق الفكري، وارتقاءً في اللغة، وثقافةً في الحوار، وتقبل الرأي الآخر والعمل الجماعي وشعورًا بالمسؤولية الفردية داخل المجتمع.
وقد عبّر عالم الاجتماع “لوي ويرث” عن هذا المعنى حين وصف التحضّر بأنه “أسلوب حياة” لا مجرد مكانٍ للسكن، وهو ما سبق إليه ابن خلدون بقرون عندما قال: “الحضارة هي غاية العمران”
…. إذ أدرك أن اكتمال البناء لا يتحقق بالجدران، بل بوعي الإنسان ونضجه الثقافي
ومن هنا يمكن القول إن التمدّن لا يستلزم بالضرورة التحضّر؛ فقد نجد مدنًا واسعةً متطورة في بنيتها التحتية، لكنها تعاني من ضعف في السلوك العام أو في إدارة العلاقات الاجتماعية. وفي المقابل، قد نجد مجتمعات بسيطة في عمرانها، لكنها تتمتع برقيٍّ ثقافي وسلوكي يعكس مستوى عالٍ من التحضّر.
إن الفارق بين التمدّن والتحضّر ينعكس بوضوح في سلوك الأفراد، حيث لا يُقاس الإنسان الحضاري بمكان إقامته، بل بطريقة تعامله، ولغته، واحترامه للآخرين، والتزامه بالقوانين، وقدرته على الحوار الواعي. ولهذا، فإن عبارة “رجل حضاري” أو “سيدة حضارية” لا تشير إلى الانتماء المكاني، بل إلى مستوى الرقيّ الإنساني الذي يبلغه الفرد في فكره وسلوكه.
وفي الختام، يمكن القول أن تشييد المدن، على ما فيه من جهدٍ وعمران، يظلّ أيسر من تشييد الإنسان في وعيه وسلوكه، أما بناء الإنسان فمسؤولية أعمق وأعقد. فالتمدّن يشيّد الحجارة، لكن التحضّر يبني الإنسان فيصوغ الضمير ويهذّب الروح، وحين يلتقي عمران المكان برقيّ الإنسان، تولد الحضارة في أبهى صورها، وتقترب البشرية من حلمها القديم المتجدّد، وتبلغ غايتها المنشودة حيث “يوتوبيا” المدينة الفاضلة التي لا تقوم على الحجارة وحدها، بل على انسان يليق بها وتليق به.
: مدينةٍ فاضلة، لا تقوم على الحجارة وحدها، بل على إنسانٍ يليق بها وتليق به.
