طفل أقوى من المرض: حكاية سكري النوع الأول
أ.روضة تشتش
السكري من النوع الأول هو حالة صحية تحدث عندما يفقد الجسم قدرته الطبيعية على صنع الأنسولين، والأنسولين هو الهرمون الذي يسمح للسكر بالدخول إلى الخلايا واستخدامه كطاقة. بداية المشكلة تحدث داخل البنكرياس، وتحديدًا في خلايا صغيرة جدًا اسمها خلايا بيتا. هذه الخلايا موجودة داخل تجمعات دقيقة تشبه الجزر، اسمها جزر لانغرهانس، وهي الجهة الوحيدة في الجسم التي تصنع الأنسولين. في الوضع الطبيعي، عندما نأكل ويرتفع السكر في الدم، تشعر خلايا بيتا بهذا الارتفاع وتُفرز الأنسولين فورًا، فيتحرك السكر من الدم إلى العضلات والدماغ والأعضاء ويعطي الجسم الطاقة التي يحتاجها.
في السكري من النوع الأول، جهاز المناعة يرتكب خطأ كبيرًا، إذ يهاجم خلايا بيتا ويُتلفها كما لو أنها جسم غريب. ومع تلف هذه الخلايا، يتوقف إنتاج الأنسولين تدريجيًا أو بشكل مفاجئ، ما يميز هذا النوع عن غيره. ومع غياب الأنسولين، يبقى السكر مرتفعًا في الدم بدل أن يدخل إلى الخلايا. هنا يبدأ الشخص بالشعور بعطش شديد، وتبول متكرر، وجفاف، وتعب سريع، ونقص وزن غير مبرر، رغم أن السكر موجود بكثرة في الدم لكنه لا يصل إلى الخلايا ليستفيد منه كطاقة ويشعر المريض بتعب غير مبرر.
التشخيص يعتمد على تحليل سكر الدم الصائم، أو اختبار تحمل الغلوكوز، أو قياس HbA1c إضافة إلى فحوصات أخرى تُظهر انخفاض C-peptit ووجود أجسام مضادة تهاجم البنكرياس، وهذه العلامات تميّز النوع الأول عن النوع الثاني. ويظهر هذا المرض غالبًا عند الأطفال والمراهقين، وتبلغ نسبته أعلى في أعمار ست سنوات وثلاثة عشر عامًا وعشرين عامًا بسبب نشاط الجهاز المناعي في هذه المراحل. كما يوجد شكل أبطأ عند البالغين يُسمى LADA وله نفس الطبيعة المناعية.
لأن خلايا بيتا تتلف تمامًا، فإن المريض لا يستفيد من حبوب السكري التي تُعطى للنوع الثاني، لأن الحبوب تعمل فقط إذا كان هناك أنسولين موجود أصلاً. أما في النوع الأول فالمصنع نفسه معطّل. لذلك العلاج الوحيد والأساسي هو الأنسولين الخارجي، إما بإبر يومية تشمل أنسولين القاعدة وأنسولين الوجبات، أو باستخدام مضخة تقدم جرعات دقيقة تشبه عمل البنكرياس الطبيعي. كما أن حساب الكربوهيدرات جزء مهم من العلاج لضبط جرعات الأنسولين حسب الطعام.
الخطر الأكبر في النوع الأول هو الحماض الكيتوني، وهي حالة تحدث عندما لا يوجد أنسولين على الإطلاق. عندها يحاول الجسم تعويض نقص الطاقة بتكسير الدهون بسرعة، فتتراكم الكيتونات وترتفع حموضة الدم، ويظهر الغثيان وألم البطن والجفاف والتنفس العميق. هذه الحالة طارئة وتحتاج علاجًا سريعًا، وهي شائعة عند النوع الأول تحديدًا لأن غياب الأنسولين لديهم كامل.
ومع مرور السنوات، إذا لم يُضبط السكر بشكل جيد، يمكن أن تظهر مضاعفات مثل اعتلال الكلى واعتلال الشبكية والاعتلال العصبي، وهي مضاعفات ترتبط بطول مدة المرض وارتفاع السكر المزمن. لكنها قابلة للتأخير والوقاية إذا كان العلاج منتظمًا.
وباختصار، السكري من النوع الأول هو مرض مناعي يبدأ عندما يهاجم الجسم خلايا بيتا ويوقف إنتاج الأنسولين. ومع أن الأنسولين الخارجي يصبح ضروريًا مدى الحياة، إلا أن الشخص يمكنه أن يعيش حياة طبيعية تمامًا إذا تابع علاجه، ونظّم طعامه، وراقب السكر بانتظام.
عندما يُشخَّص الطفل بالسكري من النوع الأول، من الطبيعي أن يشعر الأهل بالخوف أو القلق، لكن الحقيقة أن هذا المرض يمكن السيطرة عليه بالكامل عندما نفهمه ونتعامل معه بالطريقة الصحيحة. السكري من النوع الأول لا يحدث بسبب خطأ من الطفل ولا بسبب الطعام، بل هو حالة مناعية تجعل البنكرياس يتوقف عن صنع الأنسولين. ورغم ذلك، يستطيع أي طفل أن يعيش حياته بشكل طبيعي إذا حصل على الأنسولين بانتظام وتمت متابعة سكر الدم يوميًا. الأطفال المصابون بهذا النوع يستطيعون اللعب، والدراسة، والنمو، وتحقيق كل أحلامهم مثل غيرهم تمامًا، وكل ما يحتاجونه هو دعم عائلي . وجود المرض لا يعني ضعفًا، بل يعني أن الطفل يحتاج إلى روتين جديد فقط، ومع الوقت يصبح هذا الروتين جزءًا طبيعيًا من يومه. وأهم ما يحتاجه الطفل هو الأهل الواعون، الذين يعرفون متى يعطونه الأنسولين، كيف ينظمون وجباته، وكيف يرافقونه في رحلته بثقة بدل الخوف. ومع أن المرض يستمر مدى الحياة، إلا أن الحياة معه تبقى جميلة، مستقرة، وآمنة عندما نكون نحن السند الأول للطفل.
مهما كان السكري من النوع الأول جزءًا من حياة طفلك، يبقى طفلك أقوى من المرض نفسه. كل ما يحتاجه هو دعمك وفهمك للمرض فقط.
