أ.حنان بديع

ليس السؤال الحقيقي: هل للشعب الفلسطيني حق في أرضه؟

بل السؤال الأكثر إلحاحاً هو كيف يمكن للعالم أن يتجاهل هذا الحق الواضح، ويجادل في بداهة إنسانية قبل أن تكون سياسية؟

فلسطين لم تكن يومًا أرضًا بلا شعب، ولم تكن فراغًا جغرافيًا ينتظر من يملؤه. كانت ولا تزال أرضًا نابضة بالحياة، يسكنها شعب له ذاكرة، وله أسماء، وله تاريخ محفور في الحجارة والزيتون والبيوت القديمة.

الحق الفلسطيني في أرض فلسطين ليس ادعاءً عاطفيًا، بل حقيقة تستند إلى التاريخ قبل السياسة، وإلى القانون قبل الخطاب، وإلى العدالة قبل المصالح.

تاريخيًا، عاش الفلسطينيون على أرضهم قرونًا متواصلة، بنوا مدنهم وقراهم، وزرعوا حقولهم، وصاغوا ثقافتهم ولهجتهم وعاداتهم. لم يأتِ وجودهم كطارئ، ولم يكن يومًا محل نزاع حتى فرضت القوى الاستعمارية واقعًا جديدًا بقوة السلاح والقرارات المفروضة.

أما قانونيًا، فإن القانون الدولي يعترف صراحة بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ويقر بوجود الشعب الفلسطيني ككيان له حقوق وطنية غير قابلة للتصرف. قرارات الأمم المتحدة، رغم ما يحيط بها من عجز في التنفيذ، تؤكد حق العودة، وتدين الاستيطان، وتعتبر الاحتلال مخالفة صريحة للقانون الدولي. إن إنكار هذا الحق لا يجعله أقل شرعية، بل يكشف ازدواجية المعايير التي تحكم النظام العالمي.

وإنسانيًا، لا يحتاج الأمر إلى نصوص قانونية لإثباته. فحين يُهجَّر شعب من أرضه، وتُهدم بيوته، ويُحاصر، ويُمنع من التنقل، ويُقتل أطفاله، يصبح الدفاع عن حقه واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي هوية، وذاكرة، وامتداد للكرامة الإنسانية.

الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني لا يعني نفي إنسانية أي شعب آخر، لكنه يعني رفض الظلم، ورفض تبرير الاحتلال، ورفض تحويل القوة إلى مصدر للشرعية. فلا سلام حقيقي يقوم على إنكار الحق، ولا عدالة تُبنى فوق معاناة مستمرة

إن حق الفلسطينيين في أرضهم حق أصيل لا يسقط بالتقادم، ولا تلغيه الروايات المفروضة، ولا تطمسه السنوات. سيبقى هذا الحق حيًا ما دام هناك فلسطيني يتذكر قريته، أو يحمل مفتاح بيته، أو يزرع شجرة زيتون وهو يعلم أن الجذور، مثل الحقوق، لا تُقتلع بسهولة.

فلسطين ليست قضية عابرة، بل اختبار دائم لضمير العالم

وحتى ينجح هذا الضمير في الاختبار، سيبقى الحق الفلسطيني حقيقة لا يمكن محوها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *