أ.حنان بديع
سؤال يتردّد كل عام، ويحمل في طيّاته حنينًا أكثر مما يحمل مقارنة: هل ما زال رمضان كما كان؟
رمضان في جوهره لم يتغيّر؛ هو الشهر ذاته، بالمعاني نفسها،، صيام، وقيام، ورحمة، وفرصة للعودة إلى الذات. ما تغيّر حقًا هو نحن… وإيقاع حياتنا، وطريقة عيشنا للأشياء.
كان رمضان أبسط في شكله، أعمق في أثره. لم تكن الموائد عامرة كما اليوم، لكن القلوب كانت أكثر حضورًا. كانت الليالي أقل ضجيجًا، وأكثر قربًا من السماء. اليوم، كثر كل شيء: الطعام، البرامج، الدعوات، والانشغال… وقلّ الإصغاء.
لكن القول إن رمضان لم يعد كما كان، قد يكون ظلمًا له. فالشهر لا يفرض علينا كيف نعيشه؛ هو يقدّم المساحة، ونحن نملؤها. لا يزال قادرًا أن يكون كما كان وأجمل، إذا منحناه الوقت والنية.
ربما لم يتغيّر رمضان، بل تغيّرت علاقتنا به. صرنا نمرّ به سريعًا، نخشى فوات مظاهره أكثر من فوات معانيه. ومع ذلك، في كل عام، يمنحنا فرصة جديدة لنستعيده… لا كما كان في الماضي، بل كما نحتاجه اليوم.
فالحنين ليس إلى رمضان ذاته، بل إلى أنفسنا حين كنّا نعيشه بقلوب أخف، وأرواح أكثر انتباهًا. والعودة ممكنة، متى ما قررنا أن نعيد للشهر مكانته في داخلنا، لا في جدولنا فقط.
نخاف انتهاء رمضان لأننا، في أعماقنا، نشعر أننا نكون فيه نسخة أفضل من أنفسنا… ونخشى أن نفقدها
في رمضان، يصبح الطريق إلى الخير أقصر، والقلوب ألين، والضجيج الداخلي أخف. نعتاد على الطمأنينة، على الإحساس بأن هناك زمنًا يحمي أرواحنا من قسوة الأيام. وعندما يقترب الوداع، يتسلّل الخوف: هل سنبقى كما نحن الآن؟ أم نعود سريعًا إلى العجلة والغفلة؟
نخاف انتهاءه لأن رمضان يمنحنا إيقاعًا إنسانيًا أبطأ. تتباطأ الحياة قليلًا، فنلتقط أنفاسنا، ونسمع أنفسنا بوضوح. انتهاء الشهر يعني عودة الإيقاع السريع، والالتزامات الثقيلة، وكأننا نغادر مساحة آمنة إلى عالم أقل رحمة.
كما نخاف لأن رمضان يذكّرنا بما يمكن أن نكونه: أكثر صبرًا، أكثر تعاطفًا، أقل استهلاكًا، وأقرب إلى الله. والخوف الحقيقي ليس من انتهاء الشهر، بل من انتهاء الأثر. وربما نخاف أيضًا لأن الوداع يكشف هشاشتنا؛ لأننا نعرف أن هذه الصفاء ليس دائمًا، وأن الحفاظ عليه يحتاج جهدًا وصدقًا يتجاوز حدود الزمن.
لكن المعنى الأعمق أن رمضان لا ينتهي حقًا… إن بقي فينا. الخوف يتحوّل طمأنينة حين ندرك أن الشهر لم يأتِ ليقيم في التقويم، بل ليقيم في القلب. فإذا خرجنا منه بشيء من نوره، فلن يكون الوداع خسارة، بل بداية مختلفة.
