أحمد نجار
دراسات عليا في إدارة الأعمال والصحة
العامة الدولية
سوريا من التضحيات إلى بناء المؤسسات بالخبرات والكفاءات
من رحم المعاناة تولد البطولات والإنجازات. وبعد أكثر من أربعة عشر عامًا من الألم والصبر والتضحيات الجسام، يستحق شعب سوريا أن يحيا في دولة مؤسسات ومعايير؛ دولةٍ لا تُدار بردود الأفعال، بل تُبنى وفق رؤية، وتُقاس إنجازاتها بالأثر لا بالانطباع. ما قدمه السوريون لم يكن عابرًا في التاريخ، بل كان موقفًا أخلاقيًا عظيمًا من أجل الحرية والكرامة، ومن حق هذه التضحيات أن تُترجم إلى نظام عادل، وإدارة منضبطة، ومشاريع تُنجز في وقتها، وقوانين تُطبق بعدل، وفرص تُمنح على أساس الكفاءة لا المجاملة.
فالثورة لم تكن صرخة عاطفية في لحظة غضب، بل إعلانًا عن إرادة حياة. وإرادة الحياة لا تكتمل إلا بدولة حديثة، تُحسن إدارة مواردها، وتستثمر عقول أبنائها، وتحوّل الألم إلى معرفة، والخبرة إلى سياسة، والتجربة إلى منهج.
ونتساءل اليوم، بهدوء الواثق لا بانفعال الغاضب: هل تغيرت أهدافنا ومعاييرنا بعد الثورة؟ هل ما زلنا نقيس النجاح بميزان الكفاءة والإنجاز، أم أننا اكتفينا بقيود الممكن؟ هل نسير في طور صناعة المستقبل الذي طالما حلمنا به، أم في طور إدارة واقعٍ مؤقت طال بقاؤه؟ الفرق بين الحالين ليس نظريًا؛ فصناعة المستقبل تحتاج جرأةَ قرار، ووضوح معايير، وسرعة تنفيذ، وربطًا صارمًا بين المسؤولية والنتيجة.
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى مئات الآلاف من الشهداء خلال سنوات الثورة، وإلى أن أكثر من 13 مليون سوري بين نازح ولاجئ أُجبروا على مغادرة منازلهم. هذه الأرقام ليست للتذكير بالحزن، بل لتحديد سقف المسؤولية. فكلما ارتفع حجم التضحيات، ارتفعت معها ضرورة الدقة، والسرعة، والانضباط المؤسسي.
نعم إن التحسن حاصل، وهذا واقع لا يمكن إنكاره. رصدنا خطوات إيجابية، ومشاريع تتحرك، وإرادة واضحة لدى كثيرين للعمل والإنجاز. غير أن التقدم البطيء في بعض الملفات وعشوائية التنفيذ يطرحان سؤالًا إداريًا مشروعًا: هل أدوات وتقنيات التنفيذ لدينا تواكب طموحات المرحلة؟ هل لدينا جداول زمنية ملزمة، ومؤشرات أداء دقيقة، وآليات مساءلة شفافة؟ أم أننا ما زلنا نعمل بذهنية تقليدية في زمن يحتاج أدوات استثنائية؟
بقراءة تاريخية بسيطة لدروس أمم قبلنا نجد أن الحوكمة منهجية عمل لا مجرد أُمنيات.
في عام 1945 خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية مدمّرة بالكامل تقريبًا. خلال عقدين فقط، وبفضل إصلاح إداري صارم، واستثمار استثنائي في التعليم والجودة الصناعية، وربط الترقية بالإنتاجية، تحولت إلى قوة اقتصادية عالمية.
وفي ألمانيا الغربية بعد عام 1948، ومع إصلاح العملة وإطلاق اقتصاد السوق الاجتماعي، أُسست خدمة مدنية قائمة على الجدارة، ورُبطت السياسة الاقتصادية باستقلال مؤسساتي واضح، فكانت المعجزة الاقتصادية في الخمسينيات نتيجة منطق إداري منضبط لا شعارات عاطفية.
أما كوريا الجنوبية في ستينيات القرن الماضي فقد كانت من أفقر دول العالم، لكنها اعتمدت خططًا خمسية واضحة، واستثمرت في التعليم التقني والهندسي، وربطت القرار بالكفاءة، فتحولت خلال جيل واحد إلى دولة صناعية متقدمة.
كذلك سنغافورة منذ استقلالها عام 1965 بنت نموذجًا إداريًا يقوم على الجدارة والمساءلة والسرعة في اتخاذ القرار، فصارت خلال عقود قليلة من أكثر الدول كفاءة وشفافية.
القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس المعجزة، بل المنهجيات.
لا ننكر أبدا أن واقعنا السوري يمتلك ثروة برصيد بشري هائل. آلاف الكفاءات في الهندسة، وإدارة المشاريع، والتخطيط، وضبط الجودة، داخل البلاد وخارجها. كثير منهم راكم خبرات في دول متقدمة، وشارك في مشاريع كبرى بمعايير عالمية. تفعيل آلية منظمة لاستقطاب هذه الخبرات — ولو استشاريًا أو مرحليًا — يمكن أن يختصر سنوات من التجربة والخطأ. إشراك العقول السورية ليس مجاملة لأحد، بل استثمارًا وطنيًا مباشرًا في تسريع التعافي وسد الثغرات.
ولنأخذ مثالًا عمليًا دقيقًا: جسر الرستن، مضى على العمل فيه أكثر من عام وشهرين، ولم ينجز بعد. وقد ساقني الفضول للسؤال عن منهجية العمل، المسألة هنا ليست انتقادًا لجهة أو فريق، بل قراءة منهجية لأدوات التنفيذ. بعد زلزال شباط 2023، أُعيد تأهيل عدد كبير من الجسور بين كهرمان مرعش – غازي عنتاب – أضنا – مرسين، وكذلك بين أنطاكيا – العثمانية – بهشة، في ظرف ستة إلى تسعة أشهر فقط، مستفيدين من تقنيات القوالب الخرسانية المسبقة الصب والعناصر الجاهزة التي تُنتج في معامل مراقبة الجودة ثم تُركّب في الموقع بسرعة ودقة. الاستفادة من هذه الخبرات، سواء عبر شراكات فنية أو استشارات هندسية، ليست ترفًا تقنيًا، بل ضرورة زمنية واقتصادية.
السؤال هنا ليس: من يقوم بالعمل ؟ بل: كيف يتم هذا العمل؟
ليس: هل نبذل جهودًا؟ بل: هل نستخدم أفضل الممارسات في الجهد المبذول؟
ليس: هل نتحرك؟ بل: هل نتحرك بالسرعة والموارد التي تليق بحجم التضحيات؟
تصحيح المسار لا يعني إنكار التحسن، بل تعزيزه وتسريعه. فحين تُعتمد معايير واضحة للتعيين والترقية، وحين تُربط المسؤولية بمؤشرات أداء زمنية قابلة للقياس، وحين تُفتح الأبواب للكفاءات الوطنية بلا حساسيات ضيقة، يصبح الإنجاز أسرع، والثقة أعمق، وتصبح الدولة أكثر رسوخًا.
الثورة السورية لم تكن حدثًا عابرًا، بل كانت تعبيرًا عن توقٍ عميق للكرامة والعدالة ودولة القانون. وصون هذا التطلع لا يكون بالانفعال، بل بالبناء المتقن؛ لا بكثرة الشعارات، بل بحسن الإدارة؛ لا بإقصاء الخبرات، بل باحتضانها.
بناء الدول عملية علمية قبل أن تكون عاطفية، منهجية قبل أن تكون خطابية. وبناء سوريا هو أسمى صورة للوفاء لثورتنا، وأصدق تكريم لتضحيات شهدائنا، وأعمق حماية لقضيتنا من أن تتحول إلى ذكرى عاطفية بلا أثر مؤسسي. فالدولة العادلة، والجسر الذي يُنجز في موعده، والمدرسة التي تُبنى بمعايير حديثة، والقضاء المستقل الذي يطمئن إليه الناس — كلها ليست تفاصيل إدارية، بل ترجمة عملية لروح الثورة.
إن أعظم ما يمكن أن نقدمه لسوريا اليوم ليس خطابًا أعلى، بل أداءً أدق؛ ليس انفعالًا أطول، بل أثرًا أعمق. وحين يتحول الحلم إلى نظام، والتضحية إلى مؤسسة، والذاكرة إلى معيار جودة… عندها فقط نقول إننا لم نحفظ الثورة في قلوبنا فحسب، بل صُنّاها في مؤسساتنا، وكتبناها في عمران وطنٍ يستحق أن يولد من جديد — وطنٍ يليق بشعبٍ عانى… ويستحق أن يحيا بعزة وكرامة.

