أ.رنا جابي
لم تكن اللغة العربية قبل نزول القرآن لغةً بدائية ولا ناقصة، كما يظن البعض أحيانا، بل كانت لغة واسعة الامتداد، غنية الاشتقاق، بليغة المفردات، عالية القدرة على التصوير والتكثيف الدلالي. غير أنها لم تكن لغةً معيارية واحدة، بل طيفًا من اللهجات القبلية التي تتقاطع في نظام نحوي وصرفي عام، وكانت تختلف في الظواهر الصوتية والمعجمية والدلالية. كانت لغةً حيّة تتنفس في فضاء الشفاهة، ويؤدي الشعر فيها وظيفة الحفظ والتداول، دون أن يرقى إلى مستوى النص المرجعي الجامع رغم أنها لغة المعلقات الخالدة.
لم يكن العرب منغلقين على أنفسهم يومًا فالأسواق الثقافية التي كانت تقام لتبادل النتاج الأدبي والثقافي ورحلتا الشتاء والصيف كفلت للعرب الانفتاح على العالم الخارجي قبل ظهور الإعلام والتواصل الاجتماعي كل هذا كان مساعدًا على دخول كلمات دخيلة لولا أن العربية لغة قوية راسخة رسوخ الجبال.
قبل القرآن امتلكت العربية مرونة مذهلة، لكنها كانت مرونة غير مضبوطة؛ تتغير بسرعة، وتخضع لقوانين الاستعمال القبلي والبيئي، ومع ذلك بلغت العربية درجة من النضج البنيوي مكّنتها من حمل أفكار معقّدة، وصور بلاغية كثيفة، ونظام اشتقاقي يسمح بتوليد المعاني دون عناء.
ثم جاء القرآن، لا بوصفه حدثًا دينيًا فحسب، بل بوصفه حدثًا لغويًا مفصليًا أعاد تشكيل علاقة العربية بذاتها. لم يُنشئ القرآن اللغة من عدم، ولم يبدّل بنيتها العميقة، لكنه نقلها نقلة نوعية من لغة استعمال ومشافهة إلى لغة مرجع، ومن فصحى متداولة إلى فصحى معقّدة كما ساعدها على الانتشار في دول غير ناطقة باللغة العربية فهي لغة المسلمين أيا كان لسانهم.
ولعل أول ما قدّمه القرآن للعربية هو المعيارية التي تُقاس عليها صحة التراكيب، وتُستنبط منها القواعد، وتُحسم بها الخلافات. لم يُنشأ النحو أولًا ثم يُفهم القرآن على ضوئه، بل وُضع النحو لاحقًا لحماية النص وضبط قراءته، فكان القرآن سابقًا على القاعدة، وحاكمًا لها في آن واحد. بل تحوّل النص القرآني إلى نقطة ارتكاز لغوية كبرى.
وثاني ما منحته هذه المعيارية هو الاستمرارية التاريخية فاللغات التي لا تمتلك نصًا مؤسسًا ذا سلطة معنوية واجتماعية قوية، تتغير جذريًا عبر القرون، حتى تنقطع الصلة بين أجيالها، أو تندثر كليًا. أما العربية، فقد اكتسبت بالقرآن نظامًا حاميًا ضد التآكل، فحُفظ هيكلها النحوي والصرفي، وقُيّدت الانحرافات الطبيعية التي تصيب اللغات مع الزمن. ولهذا استطاع قارئ العربية اليوم أن يفهم نصًا كُتب قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا دون حاجة إلى ترجمة في الغالب، وهو مستوى من الثبات نادر في تاريخ اللغات الإنسانية التي لم ترتبط ارتباطا وثيقا بنص مؤسس يمتلك سلطة معنوية واجتماعية كاسحة.
غير أن هذا الوجه من القصة لا يكتمل دون الوجه الآخر. فالقرآن نفسه لم ينزل على فراغ لغوي، ولا على لسانٍ عاجز عن حمل معانيه. لقد خدمته العربية بقدر ما خدمها؛ إذ كانت لغةً ناضجة، تملك بنية اشتقاقية مرنة، ونظامًا دلاليًا يسمح بتعدد المعاني دون انفلات، وقابلية بلاغية تحتمل كثافة التعبير ودقة التشريع وسعة الهداية. ولو نزل النص بلغة فقيرة في الاشتقاق، أو محدودة في البنية، لما احتمل هذا المستوى من التركيب، ولا هذا التنوع الدلالي الذي قام عليه الفهم والتفسير عبر العصور.
وهكذا نشأت بين العربية والقرآن علاقة فريدة في تاريخ اللغات: لغة بلغت نضجها قبل النص، ونص ثبّت هذا النضج ومنحه الخلود. فلم تتجمّد العربية بعد القرآن، بل ظلّت حيّة في معجمها وأساليبها، متحرّكة في الاستعمال، ثابتة في بنيتها العميقة. وهذا التوازن الدقيق بين الثبات والحركة هو سرّ بقائها، والتناغم الفريد سر قوتها والمرونة سرّ قدرتها على أن تكون لغة ماضٍ حاضر، وحاضرٍ متصل بجذوره..
وبالرغم من تعدد اللهجات العربية ودخول كلمات أعجمية على لغتنا المحكية إلا أن لغة القرآن تبقى الجامعة لنا.
أهلا وسهلا أنا الإعجاب والعجب ** أنا الفصيحة كم غنت بي العرب
أنا السليمة من عيب ومنقصة ** ومنطقي لكتاب الله ينتسب
