أ.حسين ملاحفجي
بظل تسارع الحياة الحديثة، وتراكم منجزات الإنسان التقنية والاقتصادية، يبدو أنّ العلاقة بين الإنسان والبيئة قد انقلبت رأساً على عقب. فالبيئة التي شكّلت مهد وجودنا، وكانت ولا تزال مصدر حياتنا وأمننا الغذائي والصحي، باتت اليوم ضحية تعامل مهمل وغير متوازن، تعاملٍ يتجاهل حقيقة جوهرية مفادها أن الأرض «أمٌّ» تمنح دون مقابل، وتختنق بصمت حين يُساء إليها.
لقد تصرّف الإنسان، لقرون طويلة، بوصفه سيّداً مطلقاً على الطبيعة، لا شريكاً فيها. قطع الغابات، تلويث المياه والهواء، وتحويل الكوكب إلى مكبٍّ مفتوح للنفايات الصناعية والبلاستيكية، كلها مظاهر لعلاقة قائمة على الهيمنة لا على الرعاية والاهتمام حتى بالحي الذي نعيش فيه.
هذا السلوك لم يكن وليد الجهل وحده، بل نتاج منظومة فكرية وغياب وعي، ننظر للبيئة وسيلة للربح لا شرطاً لاستمرار الحياة. والنتيجة كانت اختلالاً يهدد التوازن الطبيعي، ويعيد إلينا فاتورة الإهمال على شكل تغيّر مناخي، كوارث طبيعية، أوبئة، وتصحر يلتهم مستقبل الأجيال القادمة.
إنّ قسوة الإنسان على البيئة هي في حقيقتها قسوة على ذاته. فحين يلوّث الهواء الذي يتنفسه، ويُفسد الماء الذي يشربه، وتفسد التربة التي تطعمه، فهو يقطع الشريان الذي يربطه بالحياة. لم تعد الكوارث البيئية أحداثاً بعيدة أو استثناءات نادرة، بل باتت جزءاً من الواقع اليومي، تؤكد أن الطبيعة لا تنتقم، بل «تردّ» فقط على ما فُرض عليها من اختلال.
من هنا، تبرز أهمية الوعي البيئي بوصفه مدخلاً أخلاقياً قبل أن يكون ضرورة علمية. فالوعي ليس مجرد معرفة بالمخاطر، بل تحوّل في النظرة إلى البيئة من كيان صامت إلى شريك في الوجود. وعيٌ يدرك أن حماية الطبيعة ليست ترفاً فكرياً، ولا شعاراً موسمياً، بل مسؤولية جماعية تبدأ من سلوك الفرد، ولا تنتهي عند سياسات الدول. فترشيد الاستهلاك، تقليل النفايات، احترام الموارد الطبيعية، ودعم الأنماط المستدامة في الزراعة والطاقة، كلها ممارسات صغيرة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في معناها.
كما أنّ الوعي البيئي الحقيقي تربية من البيت إلى المدرسة في التعليم والإعلام، فالطفل الذي يتعلم احترام الشجرة والماء والحيوان، يكبر وهو أكثر إدراكاً لمعنى التوازن، وأقل ميلاً إلى العنف، ليس تجاه الطبيعة فحسب، بل تجاه الإنسان أيضاً. فالعلاقة مع البيئة تعكس، في جوهرها، طبيعة علاقتنا بالحياة.
