روضة تشتش

(أخصائية التغذية العلاجية)

كيف يؤثر  الصيام علينا من الداخل؟

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ سورة البقرة: 183

جاء الصيام في الإسلام عبادةً تهدف إلى تزكية النفس وتهذيب السلوك، لم يأتِ الصيام في الإسلام ليكون عبادة روحية فقط بل نظامًا متكاملًا يحمل في طياته أبعادًا صحية ونفسية عميقة. ومع تطور العلم والدراسات الطبية بدأت تتضح صورة أكثر  لما يحدث داخل جسم الإنسان أثناء الصيام.

خلال ساعات الصيام يمر جسم الإنسان بسلسلة من التغيرات الحيوية المنظمة التي تهدف إلى الحفاظ على التوازن الداخلي وتوفير الطاقة للأعضاء الأساسية. تبدأ هذه التغيرات بعد عدة ساعات من آخر وجبة عندما ينخفض مستوى السكر في الدم تدريجيًا فيتجه الجسم أولًا إلى استخدام مخزون الغلوكوز الموجود في الكبد كمصدر مؤقت للطاقة.

ومع نفاد هذا المخزون، ينتقل الجسم إلى مرحلة الاعتماد على الدهون المخزنة حيث يتم تكسيرها وتحويلها إلى مواد تُسمى الكيتونات، تُستخدم كمصدر بديل للطاقة، خاصة للدماغ والعضلات. هذه العملية تساهم في تقليل تراكم الدهون وتحسين تركيب الجسم وتنظيم عملية الأيض.

في الوقت نفسه تتحسن حساسية الخلايا للأنسولين فيصبح الجسم أكثر قدرة على تنظيم مستوى السكر في الدم عند الإفطار هذا التحسن يقلل من خطر مقاومة الأنسولين ويساعد على استقرار الطاقة ويحدّ من التقلبات الحادة في مستوى السكر.

على مستوى الجهاز الهضمي يحصل الجسم على فترة راحة وظيفية خلال الصيام حيث تقل حركة المعدة وإفراز العصارات الهضمية وتبدأ خلايا الجهاز الهضمي بعمليات الترميم والتجديد هذا الأمر ينعكس إيجابيًا على مشكلات الانتفاخ والحموضة واضطرابات القولون.

أما على مستوى الخلايا فينشّط الصيام عملية تُعرف بالالتهام الذاتي وهي آلية طبيعية يتخلّص فيها الجسم من الأجزاء التالفة والفضلات المتراكمة داخل الخلايا ثم يعيد تدويرها وبتالي  تقوية المناعة وتحسن من كفاءة الأنسجة وتأخير التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر.

في الجهاز القلبي الوعائي يساهم الصيام في خفض ضغط الدم وتقليل مستويات الدهون الضارة في الدم وتحسين مرونة الشرايين. كما يساعد على تقليل الالتهابات المزمنة المرتبطة بأمراض القلب والجلطات خاصة عند الالتزام بتغذية متوازنة.

وعلى مستوى الدماغ يؤثر الصيام بشكل إيجابي على التركيز والذاكرة والانتباه نتيجة تحسن تدفق الدم وانخفاض الالتهابات العصبية. كما يلاحظ كثير من الصائمين شعورًا بالهدوء النفسي والاستقرار المزاجي خلال الشهر

من الناحية السلوكية يساعد الصيام على تنظيم الشهية وتقليل الأكل العشوائي وتعزيز الوعي بالعادات الغذائية. ومع تكرار هذا النمط يوميًا يكتسب الإنسان قدرة أفضل على التحكم في نمط حياته الغذائي واتخاذ قرارات غذائية أكثر توازنًا.

ولتحقيق أقصى فائدة صحية من الصيام يُنصح بالاهتمام بنوعية الطعام في الإفطار والسحور والحرص على التوازن بين البروتينات والخضروات والنشويات المعقدة مع تقليل السكريات والمقليات وشرب كميات كافية من السوائل بين المغرب والفجر وتجنّب السهر المفرط الذي يؤثر سلبًا على التوازن الهرموني.

يمثّل الصيام حالة فسيولوجية متكاملة تعيد للجسم توازنه الطبيعي وتنشّط آليات الإصلاح الداخلي وتدعم الصحة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *