أ. أحمد شميس يعربي
في قرارِ البحر، حيثُ يُسدلُ الظلامُ أستارَه،
ويُقاسُ الصبرُ بميزان الضغط،
أهبطُ لا كمن ينزل، بل كمن يُؤتمن.
فالأعماقُ ليست موضعَ أقدام،
بل مواضعُ عهود،
ومن دخلها بلا وقارٍ
أخرجته بلا نجاة.
نحنُ قومٌ إذا مسسنا الماء
أشعلنا فيه نارًا لا تُرى،
وإذا خاطبنا الحديد
لانَ لنا كما يلين القلبُ
لصدق المقام.
نقيم الوصلَ بين الأجساد الصامتة،
ونشدُّ شرايين البحر
لئلّا يهرق سرَّه
على غير أهله.
أحملُ الشعلة
فتُطيعني في حضن الموج،
ويُقيم اللهبُ مع الماء
صُلحًا لا تعرفه الأسطح.
وهناك،
حين يشتدُّ الصمتُ
ويثقل الهواء،
ينهض ذكركِ في صدري
كآيةٍ تُتلى بلا صوت،
فتستقيم الجوارح
ويطمئن القلب.
نُمشِّط القاع
تمشيطَ القاضي لا العابث،
نُميّزُ مواضع الخلل
كما يُميَّزُ الصدقُ من الزيف،
ونُقيم الأنابيب
إقامةَ العمد،
كي تمضي النعمةُ آمنةً
من بطن الأرض
إلى كفّ الحياة.
إذا أحكمنا الربط
شدَدنا على الزمن عقدتَه،
وإذا أتممنا اللحام
أغلقنا فم الفوضى.
فنحنُ حرّاسُ الخفاء،
نحمل على أكتافنا
ما لا تراه العيون
ولا تحتمله الحكايات.
وأنتِ،
يا من تسكنين بلادًا
تتوسّد الشمس وتُجاور الحرف،
أقيمكِ في قلبي
مقام الرفعة لا التعلّق،
فكلما ازداد العمق
ازداد صفاؤكِ في دمي،
وكلما ضاق النفس
اتّسع حضوركِ معنىً وسكينة.
أراكِ في ارتجافة المعدن
حين يخضع للوَصل،
وفي المؤشِّرات
إذا أعلنت تمام العمل،
وفي الصمت المُتَّفق عليه
بين الأكف
حين يعجز الصوت
ويكفي الفهم.
وحين أعود إلى السطح
ويظنّ البحر أنه طوى سرَّه،
أعلمُ أنه لم يفعل؛
ففي أعماقه
أثرٌ من رجلٍ
خاط الحديد،
وحفظ العهد،
وترك قلبه موصولًا
بامرأةٍ
إذا ذُكرت استقامت الأعماق.

