أ. بشير قوجة ـ عضو المكتب السياسي بالحركة الوطنية السورية
منذ أكثر من عقد، يتعامل المجتمع الدولي مع سوريا بوصفها ملفا إنسانيا أو أزمة مستعصية، لا بوصفها دولة لها مجتمع حي وتوازنات داخلية وقدرة ولو محدودة على إعادة إنتاج ذاتها.
هذه المقاربة المريحة للعواصم الكبرى تُخفي حقائق لا يرغب كثيرون في سماعها، لأنها تُربك الرواية السائدة وتُحمّل الخارج جزءا من المسؤولية.
أول ما لا يريد المجتمع الدولي سماعه هو أن السوريين لم يعودوا ينتظرون الحل القادم من الخارج، بعد سنوات من المؤتمرات والبيانات والقرارات غير المنفذة، تَشكّل وعي جمعي قاسٍ مفاده أن خلاص السوريين (إن حصل) سيكون نتاج توازنات داخلية وتفاهمات محلية، لا نتيجة مبادرات دولية تُطلق عند الحاجة الإعلامية ثم تُهمل.
ثانيا.. لا يريد المجتمع الدولي الاعتراف بأن سياسة إدارة الصراع كانت خيارا مقصودا لا فشلا عرضيا.
إبقاء سوريا في حالة إنهاك دائم بلا نصر حاسم ولا تسوية عادلة، خدم مصالح متقاطعة: ضبط الجغرافيا.. تحييد المخاطر.. استخدام الملف كورقة تفاوض إقليمية.
ما جرى لم يكن عجزا بقدر ما كان قرارا بإطالة الزمن السوري.
ثالثًا.. الحقيقة المزعجة أن العقوبات لم تُسقط منظومات السلطة، بل أنهكت المجتمع، الخطاب الأخلاقي المصاحب للعقوبات يتجاهل واقعا بسيطا: المواطن السوري هو من دفع الثمن الأكبر، بينما تكيفت شبكات النفوذ مع القيود وخلقت بدائلها.
العقوبات لم تُنتج تغييرا سياسيا، لكنها أعادت تشكيل الفقر والهجرة وانكماش الطبقة الوسطى.
رابعا.. ما لا يُقال صراحة هو أن الانقسام السوري اليوم اجتماعي اقتصادي أكثر منه سياسي، الناس لا تنقسم فقط حول المواقف، بل حول القدرة على العيش وحول من يملك الموارد ومن لا يملكها. هذا الشرخ العميق أخطر على وحدة البلاد من أي خلاف أيديولوجي ومعالجته لا تكون بالشعارات، بل بسياسات واقعية طويلة النفس.
خامسا.. لا يريد المجتمع الدولي سماع أن سوريا لا يمكن حكمها أو استقرارها عبر الوكلاء، أي مشروع يتجاهل مركزية القرار الوطني أو يُراهن على كيانات مسلحة أو هويات فرعية كبديل عن الدولة هو مشروع مؤقت بطبيعته. التجربة أثبتت أن الدولة مهما ضعفت تبقى الإطار الوحيد القادر على جمع التناقضات.
الحقيقة الأكثر إزعاجا أن الوقت لا يعمل لصالح أحد، استمرار تجميد الحل لا يعني بقاء الوضع كما هو، بل يعني تآكلا بطيئا في المجتمع، وتراكم أزمات قد تنفجر بطرق غير متوقعة.
تجاهل الواقع السوري اليوم سيجعل كلفته غدا أعلى على السوريين وعلى الإقليم معا.
سوريا ليست قضية منتهية ولا ملفا مؤجلا، بل دولة جريحة تحاول البقاء في نظام دولي لا يسمع إلا ما يريده هو. وما لا يريد المجتمع الدولي سماعه اليوم، قد يكون بالضبط ما يحتاجه ليسمعه قبل فوات الأوان.

