أ.روضة تشتش

رمضان ليس شهر تعب كما يعتقد البعض، بل هو شهر فرصة حقيقية لإعادة ترتيب علاقتنا بأجسادنا وعاداتنا اليومية. خلال ساعات الصيام الطويلة يعمل الجسم بذكاء مذهل؛ ينخفض مستوى الإنسولين، يستهلك مخزون الجليكوجين، ثم يبدأ تدريجيًا بحرق الدهون كمصدر للطاقة، فيدخل في حالة توازن تجعل كثيرين يشعرون بصفاء ذهني ونشاط ملحوظ قبل المغرب. لذلك فالصيام بحد ذاته لا يسبب الخمول، بل العكس تمامًا، المشكلة تبدأ غالبًا عند الإفطار، حين ننتقل فجأة من الامتناع الكامل إلى تناول كميات كبيرة من التمر والعصائر والمقالي والأرز والحلويات خلال وقت قصير، فيرتفع سكر الدم بسرعة، ويفرز الجسم كمية كبيرة من الإنسولين، ثم يهبط السكر بشكل مفاجئ، فنشعر بالنعاس وثقل الحركة وربما بالصداع، ونظن أن هذا “تعب طبيعي بعد الصيام”، بينما الحقيقة أن أجسامنا كانت مستقرة قبل الإفطار بلحظات، وما أربكها هو أسلوب كسر الصيام. وهنا تظهر رسالة رمضان الأعمق؛ فعندما يمنحنا الله شهرًا كاملًا نمتنع فيه عن الطعام من الفجر حتى الغروب، فهذه ليست مجرد عبادة شكلية، بل تذكير عملي بأننا لسنا بحاجة إلى الأكل المستمر كي ننجز ونعمل ونبدع، وأن الراحة أحيانًا تكون في التقليل لا في الزيادة، وأن الأكل وسيلة للحياة لا غاية بحد ذاته. هدف رمضان الحقيقي أن نكون أخف… أخف جسدًا وأخف روحًا وأصفى ذهنًا، وأن نكتشف أننا قادرون على الإنجاز دون أن نكون أسرى للشهية.

ومع ذلك يخرج بعضنا من الشهر بوزن زائد وإرهاق مضاعف، لأننا نصوم صح لكن لا نفطر صح، والحل ليس في الحرمان ولا في التعقيد، بل في البساطة والاعتدال

لكن السؤال الأهم: كيف نجعل رمضان نقطة تحوّل حقيقية لا مجرد شهر يمر؟ البداية تكون بتغيير بسيط في طريقة الإفطار؛ أن نبدأ بكمية معتدلة، تمرة أو فاكهة مع ماء أو لبن، ثم نمنح أجسامنا دقائق للراحة قبل تناول وجبة متوازنة تحتوي على خضار وبروتين وكمية معتدلة من النشويات دون إفراط، وأن نتجنب تحويل المائدة إلى مساحة تعويض مليئة بالسكريات والمقالي. كما أن السحور القريب من الفجر والمكوّن من أطعمة تمنح طاقة مستقرة، مثل البروتين والنشويات الكاملة والخضار، يساعد على ثبات النشاط خلال النهار. ومن المهم أيضًا إدخال قدر بسيط من الحركة اليومية، ولو نصف ساعة مشي بعد الإفطار، فالحركة تحسن الهضم وتنظم مستوى السكر وتقلل تخزين الدهون. ولا يقلّ النوم المنتظم أهمية عن الطعام، فالسهر المفرط يضاعف الشعور بالإرهاق ويؤثر في توازن الهرمونات. كذلك فإن شرب الماء بانتظام بين المغرب والفجر بدل استهلاكه دفعة واحدة يحافظ على ترطيب أفضل ويخفف الصداع والتعب.

في زمن أصبحت فيه زيادة الوزن والمشكلات الصحية المرتبطة بها شائعة، يمكن لرمضان أن يكون بداية جديدة فعلية إذا تعاملنا معه كمدرسة تدريب لا كموسم تعويض. وفي نهاية كل يوم، يكفي أن نسأل أنفسنا بصدق: هل أكلت بوعي أم حتى التخمة؟ هل تحركت اليوم؟ هل احترمت حاجات جسدي؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تصنع فارقًا كبيرًا. فحين نصوم بوعي ونفطر بوعي، نحقق المعادلة التي يحملها هذا الشهر في جوهره: انضباط يمنحنا خفة، وخفة تمنحنا طاقة، وطاقة تساعدنا على أن نعيش أيامنا بإنجاز وصفاء أقرب إلى المعنى الحقيقي لرمضان.

 رمضان ليس اختبار جوع… بل اختبار وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *