أ. باسمة اسماعيل
عادةً ما يُختزل الحديث عن “إعادة الإعمار” في فواتير الإسمنت والحديد، وفي أرقام المنح والمشاريع الضخمة. لكن في خضم هذا الانشغال المادي، نغفل عن المفارقة الوطنية الأشد قسوة: أننا نبني الجدران بينما نفقد أهم ركائز الدولة الحديثة، وهي الشباب الكفؤ والعقول المهاجرة.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في تأمين آليات البناء التقليدية، بل في استعادة شبابنا الماهر الذي أصبح وقوداً لاقتصادات الدول الأخرى. فهل سنستمر في تشييد الأبنية الجديدة على أرض فارغة من الكفاءات، أم أن الأوان قد حان لنُركز على الاستثمار الذي لا يقدر بثمن: رأس المال البشري ؟
١. صراع الرؤى: من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد الرقمي
لقد فات الأوان تماماً لتبني استراتيجيات الماضي التي تعتمد على الاقتصاد الريعي التقليدي. إن الركود والبطالة هما الخطر الأكبر الذي يهدد استقرار المجتمع ويُضعف نسيجه الاقتصادي.
- الرؤية الدافعة: يجب التحول فوراً نحو نموذج الاقتصاد الرقمي والمعرفي، فهو الطريق الأسرع والأكثر استدامة لخلق فرص حقيقية. إن رؤيتنا يجب أن تعتمد على تحويل الكفاءات الشابة إلى قوة منتجة ودافعة بدلاً من تركها تتحول إلى عبء أو ضحية للهجرة.
- تصحيح المسار المالي: لا يمكن لأي نهضة أن تتحقق بوجود الأوضاع المالية الخفية التي تحتكر التمويل وتقسمه بين أطراف محدودة. يجب التحول نحو بيئة مالية وشفافة قائمة على الآليات العلمية والمُلكية الواضمة بدلاً من المُلكية المُعقدة والتقليدية.
- الأولوية للكفاءة لا للمال: يجب أن نُغيّر المعادلة القديمة. فبدلاً من صب كل الموارد في بناء بنية تحتية مادية فقط، يجب أن نُسخر طاقاتنا لجذب الكفاءات واستثمارها في الخدمات الرقمية والمهارات المتقدمة، ليصبح هذا القطاع هو قاطرة النمو الأساسية.
٢. خارطة طريق للتمكين السريع والشفاف
للخروج من دائرة التحديات، نحتاج إلى قرارات جريئة وسريعة تبني جسور الثقة مع الشباب وتستقطب العملات الصعبة: - أ. تحرير قطاع التكنولوجيا: يجب تأسيس هيئة أو سلطة حرة للخدمات الرقمية، تُطلق قطاع التكنولوجيا والابتكار من قبضة البيروقراطية والإجراءات التقليدية التي لا تواكب سرعة العصر.
- ب. بيئة العمل المرنة (العمل عن بعد): تفعيل وتوسيع قوانين العمل المرن، بما في ذلك عقود العمل عن بعد (الخارجي). هذا سيمكن الشباب من العمل لشركات عالمية وتحسين دخلهم بالعملات الأجنبية، تحت حماية قانونية تحفظ حقوقهم من المخاطر.
- ج. دعم الريادة الرقمية: يجب توجيه جزء من الموارد نحو تمكين الشباب المبدع في البرمجة، التصميم، والتكوين الرقمي المتقدم. الهدف هو خلق “صانع محلي” يولد عمله بنفسه، بدلاً من تكديس الأموال في استيراد خدمات أجنبية.
- د. حاضنات الكفاءات: إنشاء إطار قانوني خاص يسمح بتسجيل الشركات الناشئة والتوظيف السريع (في أيام معدودة)، مع تقديم تسهيلات للشركات التي توظف الشباب وتجلب العملات الأجنبية، لتكون بمثابة حاضنات للكفاءات الماهرة.
- ـ. البنية التكنولوجية الأساسية: لا إعمار بدونها. يجب دمج الكفاءات التكنولوجية المتخصصة لضمان توفير إنترنت مستقر وطاقة كافية وموثوقة، فهما العصب الحقيقي للاقتصاد الجديد.
إن رؤيتنا للمستقبل لا يجب أن تكون مجرد حبر على ورق، بل يجب أن تكون رؤية شاملة ومُركزة تضع رأس المال البشري أولاً. عندما تفتح الجامعات أبوابها وتخرج الآلاف، فإننا نودعهم إلى مصير مجهول إن لم نُهيئ لهم سوق عمل يواكب طموحهم.
لنجعل شعار إعادة الإعمار الجديد: “الاستثمار في العقل قبل الحجر”. فبناء الإنسان المتمكن والمزود بالمعرفة هو أسرع طريق للتعافي الاقتصادي، وهو الضمانة الوحيدة لمستقبل مستقر وزاهر

