محمد الراوي

قبل أن تسلب الأرض … يسلب الوعي
ـ قبل أن تمتد الأيدي لانتزاع الأرض تكون قد تمتدت إلى العقول لتغييب الوعي،فالعدو لا يقوم باحتلال الأرض فجأة ولا يقتلع الإنسان من جذوره دفعة واحدة بل يبدء بفكرة سردية وبصمت طويل يقنع الإنسان أن مايحدث طبيعي و مؤقت أو لا يستحق المقاومة، فحين يهزم الوعي يصبح الإستيلاء على الجغرافيا تحصيل حاصل وتصبح الأرض بلا صوت والإنسان بلا ذاكرة
سلب الوعي كمرحلة أولى للهيمنة
فأخطر أشكال الهيمنة هو السلب لأنه يجعل الضحية تتخلى عن حقها دون أن تشعر فحين يعاد تعريف المفاهيم ويكون تعريف الوطن كعبء والمقاومة كفوضى والحقوق كامتيازات مشروطة حينها يصبح الظلم مقبولا بل أحيانا مرغوبا فحينها لا يعود القمع بحاجة إلى مبرر لأن الوعي ذاته صار أداة للقمع
في الفلسفة السياسية لا تقوم السيطرة على القوة المادية، بل على القدرة على إنتاج المعنى فمن يمتلك سردية الحدث يمتلك السلطة عليه لذلك تسعى القوى المهيمنة إلى كتابة التاريخ من زاوية واحدة وتجريد الذاكرة الجماعية من بعدها النقدي وتحويل الماضي إلى مادة مشوشة بلا جذور فالإنسان الذي لا يتذكر لا يطالب والذي لا يطالب لا يقاوم
الأرض ليست تراباً فقط
الأرض ليست مجرد حيز فيزيائي قابل للتقسيم أو التفاوض بل فضاء للمعنى والهوية الأرض تختزن اللغة والعادات والرموز وتشكل الأمتداد الطبيعي للذات الجماعية وحين يفصل الإنسان عن وعيه بأرضه يفصل عن ذاته ويغدو كائناً هشاً قابلاً لإعادة التشكيل لذلك نرى القوى المستبدة دائما تسعى إلى فصل الإنسان عن أرضه نفسياً قبل أن تفصله عنها جسدياً فالتاريخ يخبرنا أن الأرض لا تفقد في لحظة الهزيمة العسكرية بل في لحظة القبول النفسي بالهزيمة فحين يتكيف المجتمع مع الظلم ويتحول القهر والاستبداد إلى روتين يومي تكون الأرض قد بدأت بالأنزلاق من الذاكرة قبل أن تنزلق من الخريطه
الوعي هو سلاح المقاومة
الوعي ليس ترفاً فكرياً بل فعل مقاومة أن تعرف الحقيقة وأن تسأل وأن ترفض الرواية المفروضة وأن تحفظ الذاكرة كل ذلك يشكل حاجزاً أمام سلب الأرض، فكم من أرض صمدت لأن الوعي كان حاضراً وكم من أرض ضاعت لأن الوعي غاب قبل أن يغيب أصحابها
قبل أن تسلب الأرض … يسلب الوعي
أن أُستعيد الوعي يُمكن للأرض أن تعود
وإن ضاع الوعي فلن تحمي الأرض كل الأسوار
فقصة سور الصين أكبر برهان لهذا فقد بنوه للدفاع عن مدينتهم ولم يبنوا الإنسان حينها فرغم عظم بناءه إلا أنه لم يمنع الأعداء من غزوهم بل كان العدو لا يحتاج إلى تسلق السور لإقتحام المدينة بل كان يرشي الحراس ويدخل من الأبواب
هناك حكمة صينية تقول (لا يكفي بناء سور عظيم بل يجب بناء الإنسان الحارس أولا ً)
فالوعي هو الخط الدفاع الأول
ومن يحافظ عليه لا يهزم بسهولة
لأن الأرض لا يحميها السلاح وحده بل يحميها إنسان يعرف لماذا يقف ولماذا يرفض ولماذا لا ينسى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *