الكاتب: الخبير المستقل أليكس بوكاتش
خلال الحرب الأخيرة وفي الأول من مارس/آذار 2026، لم يكن الهجوم بطائرة مسيّرة على ميناء جبل علي في دبي مجرد حادث أمني عابر، بل شكّل مؤشرًا مقلقًا على هشاشة منظومة التجارة والخدمات اللوجستية العالمية في ظل النزاعات المعاصرة، حيث يمكن لهذه الشبكات أن تتحول — بشكل غير مباشر — إلى أدوات تُستخدم ضد مصالح الدول التي تستضيفها.
وبحسب تحقيقات مستقلة، تم التعرف على الطائرة المستخدمة على أنها من طراز “جيرانيوم-2، وهي النسخة الروسية المطوّرة من الطائرات الإيرانية من فئة “شاهد” الهجومية. ولم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ استُخدمت طائرات مماثلة في استهداف القاعدة البريطانية في أكروتيري بقبرص، كما تم رصدها سابقًا في الأجواء الأوكرانية، ما يعكس اتساع نطاق استخدامها خارج مسارح العمليات التقليدية.
غير أن الأهمية لا تكمن فقط في استخدام هذه الطائرات، بل في طبيعة مكوناتها. إذ يعتمد نظام التحكم في “جيرانيوم-2” على دوائر إلكترونية متكاملة من إنتاج شركة Xilinx الأمريكية، وهي مكونات تُصنَّف ضمن السلع ذات الاستخدام المزدوج، وتخضع لقيود صارمة تمنع تصديرها المباشر إلى روسيا.
ورغم هذه القيود، نجحت الصناعات الدفاعية الروسية في الوصول إلى هذه المكونات عبر شبكات توريد غير مباشرة تمر عبر أطراف ثالثة. وهنا تبرز مفارقة معقدة، حيث يمكن لبعض المراكز التجارية العالمية — دون قصد — أن تصبح جزءًا من سلاسل إمداد تنتهي باستخدامات عسكرية.
ووفقًا لبيانات من سجلات جمركية روسية، قامت شركة BLIKEM Computers & Requisites Trading LLC، ومقرها دبي، خلال عام 2024 بتوريد شحنة من رقائق Xilinx إلى روسيا بقيمة تُقدّر بنحو 860 ألف دولار أمريكي. وقد استلمت هذه الشحنة شركة روسية تُدعى “تكنولوجيات الاتصالات”، والتي تقوم بدورها بتوجيه هذه المكونات إلى المنطقة الاقتصادية الخاصة “ألابوغا”، حيث تم إنشاء خط إنتاج متسلسل لطائرات “جيرانيوم-2”.
وبذلك تتشكل سلسلة توريد معقدة: مكونات تكنولوجية متقدمة تُعاد تصديرها عبر وسطاء، ثم تُدمج في أنظمة هجومية، لتظهر لاحقًا في مسارح عمليات مختلفة، بما في ذلك منطقة الخليج.
وتتعمق هذه المفارقة عند النظر إلى البعد الاقتصادي. إذ تُعد الطائرات المسيّرة من هذا النوع منخفضة التكلفة نسبيًا، حيث تُقدّر قيمتها بعشرات الآلاف من الدولارات، في حين أن اعتراضها يتطلب استخدام أنظمة دفاع جوي متقدمة، قد تصل تكلفة الصاروخ الواحد فيها إلى ملايين الدولارات، ما يخلق فجوة واضحة في الكلفة تُعرف بـ”عدم التماثل الاقتصادي”.
بالنسبة لدول الخليج، التي تُعد من أبرز المراكز العالمية في التجارة والخدمات اللوجستية، تطرح هذه التطورات تحديات استراتيجية تتجاوز البعد الأمني، لتشمل أيضًا قضايا الامتثال لأنظمة الرقابة على الصادرات، وإدارة تدفقات السلع ذات الاستخدام المزدوج، والحفاظ على السمعة الدولية كمراكز تجارية موثوقة.
لم يعد السؤال المطروح ما إذا كان من الممكن الالتفاف على العقوبات، بل كيف يمكن للدول المنخرطة في الاقتصاد العالمي أن تعزز آليات الرقابة والشفافية لديها، في ظل واقع جديد أصبحت فيه بعض المعاملات التجارية تحمل أبعادًا أمنية مباشرة.
إن حادثة جبل علي تمثل جرس إنذار واضح. ففي عالم مترابط، يمكن لأي حلقة في سلسلة الإمداد أن تتحول — دون نية مسبقة — إلى جزء من منظومة صراع أوسع، ما يفرض إعادة تقييم دور اللوجستيات في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.

