فاروق قناعة

هناك أشخاص جهلهم قد تغلّب عليهم، عندما ننتقد الحكومة ليس كرهاً لهم أو  كيدا بل عكس ذلك، حرصاً وحباً وانتقادنا انتقاد بنّاء لأنه عملية تقديم آراء صحيحة ووجيهة حول عمل الآخرين والتي تنطوي عادة على تعليقات إيجابية او سلبية، ولكن بطريقة ودية.

وفي الأعمال التعاونية غالباً ما يكون هذا النوع من النقد أداة قيمة للارتقاء ويجعلنا في قمة  وازدهار والرقي العلمي والفكري ونخلع من عقولنا ومن بلادنا ما زرعه حزب البعث والنظام السابق على مدار خمسون عاماً

والنقد البناء كما هو معروف تحديد الأهداف سواء على المستوى الفردي (محاسبة النفس )او الجماعي (إصلاح الحكومة) وكلاهما يتطلب نوعاً من التقييم والتفكير الناقد سواء كان ذاتياً أو موجهاً للآخرين بالتالي فإن محاسبة النفس عملية داخلية تهدف إلى إصلاح النفس بينما (النقد والنصح)هو عملية خارجية تهدف إلى تحسين حال المجتمع أو أداء الحكومة من خلال التحليل العقلي والمساءلة العامة عليه فإن المحاسبة والنقد كلاهما يسعى للإصلاح ولكن بأساليب وأهداف مختلفة والنقد البناء يساعد الفرد على اكتشاف ذاته وتحسين مهاراته ومن خلال قبول النقد يتعلم الفرد كيفية مواجهة أخطائه مما يعزز النمو الشخصي والثقة بالنفس

قال النبي صلى الله عليه وسلم، لأبي ذر حاسب نفسك قبل أن تحاسب فإنه أهون لحسابك غداً وزن نفسك قبل أن توزن وتجهز للعرض الأكبر يوم تعرض لا يخفى على الله خافية

إذا فإن النقد في إطار الدولة يعد ركيزة أساسية للحكم الرشيد الذي يقوم على الشفافية والمساءلة والمشاركة ومن خلال النقد يتم تقويم مسار السياسات العامة وكشف الفساد وتعزيز العدالة وبلا شك أن الدولة التي تتيح مساحة للنقد تكون أكثر قدرة مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة ومن الضرورة أن تضع الدولة سياستها دائما في موضع التساؤل لكشف الخطأ المحتمل وقوعه في الحاضر والمستقبل والنقد ليس مجرد أداة للتقييم بل هو مدخل أساسي لتحقيق حياة كريمة فإنه من خلال النقد يمكن تحديد أوجه القصور في التعليم والصحة والاقتصاد والحريات ووضع حلول عملية على سبيل المثال فإنه في تعليم يساعد النقد على تطوير مناهج تعزيز التفكير النقدي والابداع

لأن النقد هو مفتاح التغير والإصلاح والتطور على مستوى الفرد والمجتمع إذا ينبغي على الدولة تعزيز ثقافة النقد وإصلاحات شاملة لابد من ذلك من نجاح بناء الدولة وحركتها في شتى جوانبها

وفي غياب النقد البناء يأدي إلى استمرار سياسات فاشلة سواء على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي… والسياسي

وضعف المساءلة في العديد من الدول العربية أدى إلى الفساد وتدهور الخدمات العامة

وكل من يرفض النقد الموجه إليه قد يتذرع بأن الناقد صاحب غرض شخصي وإنه لا يعرف قدر رجال ولا يلتزم بأدب الخطاب وأنه يوقظ فتنة ويبث فرقة ويضعف المعنويات أو يضعف الشعور القومي

ولا يعلمون أن النقد عمل مشروع وهو من ألوان الامر بالمعروف والنصيحة، ويجب على من تولى أمور بلادنا عندما ينتقدهم الشعب أن ينظروا في موضوع الانتقاد نفسه ولا يرفضه بحجج واهية

 عمر رضي الله عندما نهى عن الغلو في صداق النساء بأن يزيد على اربعمئة درهم قالت له امرأة من قريش اما سمعت الله يقول (وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً)فقال غفراً كل الناس أفقه من عمر…ثم رجع إلى المنبر فقال أيها الناس إني كنت قد نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على اربعمئة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما احب ،

إن قبول القيادة للنقد ليس علامة ضعف، بل هو ذروة القوة والثقة. القوي الواثق هو من يستطيع أن يستمع إلى آراء مخالفة، ويناقشها بموضوعية، ويعترف بالخطأ إذا ثبت. أما الضعيف المتوجس فهو الذي يحاصر نفسه بجدار من المتملقين، ويخاف من أي صوت حُر، وينظر إلى كل نقد على أنه مؤامرة.

لذلك، فإن بناء ثقافة النقد داخل المشروع الوطني هو ضمانة استمراره وسلامة مساره.

في النهاية، إن النقد البنّاء كحصن ضد الاستبداد هو تعبير عن النضج السياسي والحضاري للأمة. فهو يعني أن المجتمع قد تجاوز مرحلة الخوف والتبعية العمياء، وانتقل إلى مرحلة المسؤولية والمشاركة الواعية. وهو إعلان بأن الشعب ليس رعية تستحق التوجيه فقط، بل هو شريك في الرؤية ومسؤول عن الرقابة. وهذا ما يجعل الدولة الحديثة القوية مبنية على عقد اجتماعي متين، حيث الحقوق يقابلها واجبات، ومن أهم هذه الواجبات واجب النصيحة والمتابعة. وبدون هذا الحصن الأخلاقي والمؤسسي، تتحول أعظم الإنجازات المادية إلى قصور من وهم، قابلة للانهيار عند أول اختبار حقيقي، وتصبح السلطة سجينة لنخبة ضيقة، تفقد تدريجياً صلتها بالواقع وباحتياجات الناس، وهذا يفتح الباب للانفجار من الداخل أو للتدخل من الخارج.

لذلك، فإن تعميق ثقافة النقد المسؤول هو خط دفاع أول عن أمن الوطن واستقراره، وهو الضامن لاستمرارية المشروع الوطني على أسس سليمة، بعيداً عن أمراض الغرور والانعزال والفساد، التي أطاحت بحضارات عظيمة عبر التاريخ.

فاروق قناعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *