أ بشير قوجة

تشهد المرحلة الحالية حراكًا دوليًا متسارعًا يهدف إلى احتواء التصعيد والوصول إلى تسوية سياسية تقود إلى وقف إطلاق النار. هذا الحراك لا يأتي من فراغ، بل نتيجة تزايد الضغوط السياسية والإعلامية داخل الولايات المتحدة، حيث تتصاعد المعارضة داخل الكونغرس ويتنامى الرفض الشعبي لاستمرار الحرب. وتشير التقديرات إلى أن الإدارة الأمريكية قد تجد نفسها مضطرة خلال الأيام المقبلة للدفع باتجاه وقف إطلاق النار، في ظل الكلفة المرتفعة وعدم تحقيق الأهداف المعلنة.

أما بالنسبة للأداء الأمريكي – الإسرائيلي

تُظهر المعطيات الميدانية والسياسية فشلًا واضحًا في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب، سواء على المستوى العسكري أو في تسويق “نصر” سياسي للرأي العام. كما برزت مؤشرات تخبط في التنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل، تجلت في حادثة استهداف حقل الغاز (بارس) دون توافق واضح، ما يعكس خللًا في إدارة العمليات المشتركة.

هذا الواقع يفتح الباب أمام احتمالات تصاعد التوتر بين القيادتين الأمريكية والإسرائيلية، خاصة في ظل اختلاف الأولويات والاستراتيجيات، وعدم الالتزام الكامل بالتفاهمات المسبقة. ويُضاف إلى ذلك العبء المالي الكبير، حيث تُقدّر كلفة الحرب على الولايات المتحدة بنحو 200 مليار دولار حتى الآن، وهو ما دفع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لطلب هذا التمويل، مما يزيد من الضغوط الداخلية على الإدارة.

أما الموقف الإيراني

تعتمد إيران استراتيجية مركّبة تقوم على المناورة بين التصعيد والتهدئة، ما يمنحها مرونة عالية في إدارة الصراع ميدانيًا وسياسيًا. وقد أظهرت قدرتها على الاستمرار في توجيه ضربات مؤثرة، مع تسجيل عمليات نوعية في الفترة الأخيرة.

في المقابل، ترفض طهران العودة إلى مسار المفاوضات السابق دون الحصول على ضمانات حقيقية، مؤكدة عدم استعدادها لتكرار السيناريوهات السابقة. كما فشلت محاولات زعزعة الداخل الإيراني أو إسقاط النظام، في ظل تماسك داخلي ملحوظ وتعبئة شعبية واسعة مدعومة بحراك جماهيري مستمر.

أما الجبهة اللبنانية

تشهد الحدود اللبنانية تصاعدًا في وتيرة الاشتباكات، خصوصًا في القرى والبلدات الحدودية، مع تسجيل خسائر ملموسة في الجانب الإسرائيلي. وتشير التقديرات إلى وجود تحضيرات لعمليات نوعية، تشمل كمائن وأسر جنود، ما يعزز من مستوى التهديد.

وفي حال حدوث اجتياح بري للبنان بدعم أمريكي، فإن ذلك سيؤدي إلى تصعيد كبير وتداعيات غير محسوبة. كما أن الضغوط الداخلية اللبنانية على حزب الله لا تبدو مؤثرة في قراراته العسكرية، التي تبقى مرتبطة بحسابات إقليمية أوسع.

أما البعد الإقليمي والدولي

تتواصل التحركات الدبلوماسية على عدة مستويات، من أبرزها المبادرة الفرنسية للدفع نحو التفاوض، رغم تقييم منخفض لفرص نجاحها في ظل تعقيد المشهد. في المقابل، يظهر دعم بعض الدول الخليجية للولايات المتحدة، وسط حديث عن تفاهمات وصفقات غير معلنة.

أما الاتحاد الأوروبي، فيتجنب الانخراط المباشر في الصراع، خصوصًا فيما يتعلق بمضيق هرمز، نظرًا لحساسية ملف الطاقة. إذ إن أي تصعيد في استهداف مصادر الطاقة أو خطوط الملاحة سيؤدي إلى ارتفاع عالمي في أسعار النفط، وتوسيع نطاق المواجهة.

كما أن اغتيال شخصية سياسية بارزة مثل لاريجاني أدى إلى إغلاق قنوات تفاوض محتملة، وزاد من تعقيد المسار السياسي، ورفع احتمالات التصعيد.

التقدير العام للمشهد حالياً

تشير المعطيات إلى أن الحرب تتجه نحو مرحلة استنزاف طويلة، مع ميل تدريجي نحو تهدئة قسرية تفرضها الكلفة المرتفعة والخسائر المتزايدة. ولا تزال إيران قادرة على الحفاظ على توازن الردع وفرض معادلات جديدة في المنطقة.

في حال استمرار الحرب، فإن ذلك سيؤدي إلى:

تصاعد الضغط الداخلي على الإدارة الأمريكية

اضطراب أسواق الطاقة العالمية

احتمال توسع المواجهة إقليميًا

وفي ظل غياب إمكانية الحسم العسكري القريب لأي طرف، تميل الكفة بشكل متزايد نحو تسوية سياسية تُفرض تحت ضغط الوقائع الميدانية والاقتصادية.

المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات، حيث تبرز إيران كفاعل رئيسي يصعب تجاوزه، بينما تجد الولايات المتحدة نفسها أمام تحديات داخلية وخارجية تدفعها نحو إعادة حساباتها. وبين التصعيد والتهدئة، يبقى المسار السياسي هو الخيار الأكثر واقعية، وإن كان الأكثر تعقيدًا.

بشير قوجة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *