د. زكريا ملاحفجي

دخلت سوريا منذ عام مرحلة جديدة حملت الخلاص بعد سنوات طويلة من التعب والمعاناة. مرحلة تحمل معها أيضاً إرث تراكمي كبير من الهدم والفساد

 وبذات الوقت تعيش البلد بين ترتيبات تُناقش خارج البلاد، وواقع يومي يعيشه الناس في الداخل بكل تفاصيله الصعبة.

في السياق الإقليمي والدولي الحالي، بات التعامل مع الوضع السوري قائمًا على فكرة الحفاظ على الاستقرار وتجنّب الانزلاق نحو الفوضى. وتأتي بعض أشكال الدعم أو الانفتاح في هذا الإطار، بهدف إبقاء الأوضاع تحت السيطرة، وتعزيز الاستقرار أكثر من كونها خطوات نحو تعافٍ شامل وسريع.

في المقابل، يواجه الداخل السوري إرهاقًا متراكمًا، لا يظهر فقط في الأرقام الاقتصادية، بل في تفاصيل الحياة البسيطة، بل العودة الطبيعية والتعافي بعد سنوات الحرب، والتنقل القسري، فيتفاجئ الناس بغلاء المعيشة، وقلة فرص العمل، جعلت همّ الناس الأساسي هو تأمين احتياجاتهم اليومية بهدوء وكرامة.

لم يعد المواطن ينتظر تحولات كبيرة، بل يبحث عن تحسّن صغير: استقرار في الأسعار، ساعات كهرباء وقيمة الكهرباء، ينتظر المواطن فرصة عمل ثابتة، أو قدرة على تلبية متطلبات أسرته دون قلق دائم.

آثار الإرهاق على المجتمع

حيث ترك هذا الواقع أثرًا واضحًا على المجتمع.

كثير من العائلات تعيش اليوم على هامش الاكتفاء، وتعتمد على التكيّف والصبر. كما دفعت الظروف الصعبة عددًا كبيرًا من الشباب إلى التفكير بالهجرة، بحثًا عن أفق أوسع وحياة أقل قسوة.

ومع مرور الوقت، أصبح هذا التعب جزءًا من الحياة اليومية، لا باعتباره حالة طبيعية، بل كواقع يُحتمل بانتظار تحسّنٍ ما.

تسويات الخارج وحدود أثرها

التفاهمات الخارجية، بصيغتها الحالية، تسهم في الاستقرار ومنع التدهور، لكنها لا تلامس بشكل مباشر جوهر المعاناة المعيشية. فهي تساعد على تثبيت الوضع، لكنها لا تحمل حلولًا واضحة لتحسين حياة الناس على المدى القريب.

وفي غياب مشاريع اقتصادية واسعة أو فرص عمل كافية، يبقى التحسّن محدودًا وبطيئًا، لا يوازي حجم ما تحمّله المجتمع خلال السنوات الماضية.

إلى أين يتجه الواقع المعيشي؟

الأقرب إلى الواقع هو استمرار هذا الوضع لبعض الوقت: استقرار هادئ، وتحسّن تدريجي وبطيء، يقابله انتظار طويل من الناس. ومع طول الانتظار، يصبح التحدي هو الاسراع بالتعافي وتأمين سبل العيش ..

سوريا اليوم لازالت بعيدة عن التعافي الكامل. وبين ترتيبات خارجية تهدف إلى الاستقرار، وداخلٍ يثقل كاهله العبء المعيشي، يبقى الأمل معقودًا على خطوات بسيطة لكنها حقيقية، تعيد للناس شيئًا من الطمأنينة، وتفتح بابًا لحياة أكثر استقرارًا وكرامة.

د. زكريا ملاحفجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *