د. زكريا ملاحفجي
تُعدّ الوحدة الوطنية ووحدة الأراضي الركيزتين الأساسيتين لقيام الدولة السورية واستقرارها واستمرارها. ومنذ اندلاع الثورة واجهت سوريا تحديات إضافية غير مسبوقة هزّت النسيج الاجتماعي وهددت الجغرافيا السياسية للدولة، بفعل الصراع والأهم بفعل التدخلات الخارجية التي حاولت تعمل عملها بذلك، وكذلك صعود الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. ولم تعد مسألة الوحدة الوطنية خطاباً إنشائياً، بل أصبحت شرطاً وجودياً لبقاء الدولة وإعادة بنائها.
فهناك تفكك للهوية الوطنية الجامعة حيث ساهم طول أمد الصراع في تعزيز الانتماءات الطائفية والإثنية والمناطقية، على حساب مفهوم المواطنة، مما أضعف الشعور بالانتماء للدولة بوصفها إطاراً جامعاً لكل السوريين.
وكذلك الاستقطاب السياسي والإيديولوجي حيث أنتجت الحرب حالة استقطاب حاد بين السوريين، غذّتها روايات متناقضة للحدث السوري، وتحولت السياسة إلى أداة انقسام بدل أن تكون مساحة لإدارة الاختلاف.
وكذلك الذاكرة الجريحة وانعدام الثقة حيث تراكمت مظالم وانتهاكات جسيمة، خلقت ذاكرة جمعية مثقلة بالألم والخوف، وأدت إلى انعدام الثقة بين مكونات المجتمع، وبين المواطن والدولة.
كما أن الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية من الفقر، البطالة، النزوح، واللجوء، كلها عوامل ساهمت في تآكل التضامن الاجتماعي، ودفعت الأفراد للانكفاء على هوياتهم الضيقة بحثاً عن الأمان.
وكذلك ظهرت تحديات وحدة الأراضي السورية فالأمر الواقع والتقسيم الوظيفي
فرضت قوى محلية مدعومة خارجياً سيطرتها على أجزاء من الجغرافيا السورية، ما أنتج أشكالاً من الإدارة المنفصلة، وهي التحدي الأبرز اليوم لوحدة الأراضي السورية
وهذه التدخلات الخارجية حوّلت الأراضي السورية إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، حيث ارتبطت بعض القوى المحلية بأجندات خارجية، ما عمّق خطر التقسيم أو التفكيك طويل الأمد، والأهم هناك غياب لمشروع وطني جامع لإدارة التنوع.
والدولة الجديدة اليوم بحاجة تقديم نموذج توافقي لإدارة التعددية في البلد لتعزيز الوحدة الوطنية وصون وحدة الأرض وإعادة بناء مفهوم المواطنة
والانتقال من منطق المكونات إلى منطق المواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات، وتكرّيس المساواة، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، وتحقيق عدالة انتقالية شاملة تقوم بمعالجة إرث العنف والانتهاكات من خلال آليات عدالة انتقالية تقوم على الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والمصالحة الوطنية، دون انتقام أو إقصاء.
كما أن إطلاق مسار حوار وطني حقيقي، لا شكلي، يضم جميع القوى والمكونات دون استثناء، ويهدف إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع ويؤسس لعقد اجتماعي سوري
وكذلك اعتماد لامركزية إدارية وتنموية تضمن مشاركة المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها، دون المساس بوحدة السيادة والقرار الوطني خطوة تريح السوريين
والسعي لتحرير القرار الوطني من الارتهان الخارجي
تعزيز استقلالية القرار السوري، وضبط العلاقات الخارجية وفق المصلحة الوطنية العليا، بما يحدّ من توظيف الانقسامات الداخلية في الصراعات الدولية.
ربط إعادة الإعمار بوصفها مشروع وحدة يعيد اللحمة الوطنية، وتوزيع عادل للتنمية، بما يعيد الثقة بين السوريين ويعزز الشعور بالمصير المشترك.
إنّ الوحدة الوطنية السورية ووحدة أراضيها ليستا معطىً ثابتاً، بل مشروعاً سياسياً وأخلاقياً يتطلب إرادة جامعة، ورؤية وطنية شاملة، وشجاعة في مواجهة الماضي وبناء المستقبل. فسوريا لا يمكن أن تُبنى إلا بجميع أبنائها، ولا يمكن أن تستعيد عافيتها إلا بوحدة شعبها وأرضها، بعيداً عن منطق الغلبة، وقريباً من منطق الشراكة والمواطنة.

