د.شادي صلاح محمود / مفكر سوري
يعد وعي المجتمع أحد العوامل الأساسية التي تؤثر بشكل كبير في تطور الأمم والشعوب، فالوعي ليس مجرد معرفة سطحية أو فكرة عن الأحداث الجارية، بل هو التفاعل العميق مع الواقع، وفهم العلاقة بين الأفراد والمجتمع وبينهم وبين السلطة الحاكمة. هذا الوعي يمكن أن يكون محركًا للتغيير الاجتماعي والسياسي، أو قد يظل غائبًا مما يؤدي إلى استمرارية الواقع دون تغيير. في هذه المقالة، سنناقش الفرق بين المجتمع الواعي وغير الواعي، مع التركيز على تأثير وعي المجتمع أو غيابه في السلطة الحاكمة.
أولًا: الفرق بين المجتمع الواعي وغير الواعي
1. المجتمع الواعي:
– المجتمع الواعي هو المجتمع الذي يمتلك فهمًا عميقًا لواقعه الاجتماعي والسياسي، فأعضاء هذا المجتمع يدركون التحديات التي يواجهونها، ويعرفون حقوقهم وواجباتهم، ويتفاعلون مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية بوعي وفهم، هذا الوعي يمكن أن يكون ناتجًا عن التعليم، الثقافة العامة، التجربة الحياتية، أو وسائل الإعلام التي تساهم في نشر الحقائق والمعلومات.
– خصائص المجتمع الواعي:
*الإدراك السياسي والاجتماعي: فأفراد هذا المجتمع لا يتخذون قراراتهم بناءً على المعلومات السطحية أو الشائعات، بل يكون لديهم القدرة على تحليل الأوضاع السياسية والاقتصادية وفهمها.
*التمسك بالحقوق: يدركون حقوق المواطنة ويفهمون آليات الدفاع عنها، سواء عن طريق الانتخابات أو وسائل أخرى.
*القدرة على التفكير النقدي : يتمتع الأفراد بقدرة على تحليل المعلومات والتفكير بشكل نقدي في الأحداث الجارية.
*التغيير المستدام: الوعي يعزز القدرة على التغيير المستمر في المجتمع عن طريق حركات اجتماعية أو عمل جماعي.
2. المجتمع غير الواعي:
– المجتمع غير الواعي هو المجتمع الذي يفتقر إلى هذا الفهم العميق للواقع، إذ يظل أفراده تحت تأثير الجهل أو الأيديولوجيات المحدودة التي تمنعهم من رؤية الأمور بشكل واضح أو اتخاذ قرارات مستنيرة.
– خصائص المجتمع غير الواعي:
*الاعتماد على الأوهام والمعلومات المغلوطة: في غياب الوعي، غالبًا ما يصدق أفراد هذا المجتمع المعلومات غير الدقيقة التي يتم تداولها من خلال وسائل الإعلام أو الشائعات.
*العزلة عن القضايا السياسية: لا يهتم أفراد المجتمع غير الواعي بالقضايا السياسية الكبرى، بل يتعاملون مع حياتهم اليومية دون التفكر في تأثير القرارات السياسية على حياتهم.
*التبعية للسلطة: في الكثير من الحالات، يكون المجتمع غير الواعي أكثر عرضة للتأثر بالسلطة الحاكمة أو الأنظمة السياسية الظالمة، حيث يفتقر إلى القدرة على المراجعة أو التغيير.
*استمرارية الوضع القائم: في ظل غياب الوعي، يستمر الوضع كما هو دون رغبة حقيقية في التغيير أو الإصلاح.
ثانيًا: تأثير وعي المجتمع أو عدم وعيه في السلطة الحاكمة
1. تأثير الوعي في السلطة الحاكمة:
عندما يكون المجتمع واعيًا، يكون له تأثير قوي على السلطة الحاكمة، ويتجسد هذا التأثير في عدة جوانب:
*المراقبة والمحاسبة: المجتمع الواعي لا يقتصر على تلبية احتياجاته المعيشية فقط، بل يراقب تصرفات الحكومات والسلطة، ويطالب بالمحاسبة على الأخطاء.
*التغيير السياسي: في حالة وعي المجتمع، يصبح من السهل تنظيم حركات اجتماعية وسياسية تدعو إلى التغيير السياسي، مثل الاحتجاجات السلمية، أو الانتفاضات الشعبية.
*الضغط على السلطة: المجتمع الواعي يمكن أن يمارس ضغطًا جماعيًا على الحكومة من خلال الاحتجاجات أو الانتخابات أو حتى من خلال وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
*تعزيز الديمقراطية: الوعي السياسي والاجتماعي يعزز من المشاركة الفعالة في العملية الديمقراطية، مما يجعل الحكومات أكثر استجابة لمطالب الشعب.
2. تأثير غياب الوعي في السلطة الحاكمة:
عندما يكون المجتمع غير واعٍ، فإن السلطة الحاكمة تكون أكثر قدرة على استغلال هذا الغياب للوعي لصالحها، مما يؤدي إلى عدة تأثيرات مذمومة:
*استغلال السلطة: الأنظمة الحاكمة التي تحكم مجتمعات غير واعية يمكن أن تفرض سياساتها بسهولة دون اعتراض، حيث يظل المواطنون في حالة من الجهل أو عدم الاكتراث.
*إدامة الفساد: المجتمعات غير الواعية لا تستطيع التعرف على مظاهر الفساد، فتظل الأنظمة الفاسدة في مكانها دون محاسبة أو مساءلة.
*التسلط على حرية التعبير: الحكومات قد تستغل غياب الوعي لمنع المواطنين من التعبير عن آرائهم بحرية أو من ممارسة حقهم في المعارضة.
*الإحباط الاجتماعي: غياب الوعي قد يؤدي إلى إحباط داخل المجتمع، حيث يشعر المواطنون بالعجز عن إحداث تغيير ويظلون مستسلمين للواقع، مما يزيد من الفجوة بين الناس والحكومة.
ثالثًا: كيف يمكن تعزيز وعي المجتمع؟
من أجل تحسين حالة الوعي في المجتمع، يمكن اتخاذ عدة خطوات:
1. تحسين التعليم: بنشر التعليم الجيد، وتوعية الشباب بالقضايا الاجتماعية والسياسية منذ سن مبكرة.
2. دعم الإعلام المستقل: بتوفير منصات إعلامية توفر معلومات موثوقة ومتنوعة، وتساعد على تحفيز التفكير النقدي.
3. المشاركة المجتمعية: تشجيع المواطنين على المشاركة الفاعلة في الأنشطة الاجتماعية والسياسية مثل الانتخابات، والنقاشات العامة.
4. التدريب على التفكير النقدي: تعليم أفراد المجتمع كيفية تحليل الأحداث والظواهر بشكل نقدي، وعدم قبول الحقائق كما هي دون تمحيص.
وختامًا:
إن المجتمع الواعي هو محرك التغيير الحقيقي في أي بلد، على حين المجتمع غير الواعي يظل في دائرة من الاستغلال والجمود، فالوعي المجتمعي يعزز من قدرة الأفراد على التأثير في السلطة الحاكمة، مما يساهم في تحقيق العدالة والمساواة. من خلال زيادة الوعي وتعزيز التعليم والتفكير الناقد، فالمجتمعات الواعية تقاوم الاستبداد والفساد، وتبني مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة، وإن السلطة الحاكمة هي مرآة مجتمعها، فلا بد أن يكون واعيًا لتكون هي كذلك.

