أ. رنا جابي

ليس كل تشابه عدلاً، وليس كل اختلاف ظلماً. بين العدل والمساواة مسافة دقيقة، لكنها عميقة كعمق الحكمة الإلهية التي قامت عليها سنن الحياة. فكثيراً ما يختلط على الناس المفهومان، فيحسبون أن إنصاف البشر يكون بتسويتهم تسوية مطلقة، مع أن التسوية بين المختلفين قد تكون أبلغ صور الجور المقنّع

وقد جعل الله الحاكم الحكيم -جلّ وعلا- العدل في أحكام كثيرة ونفى المساواة كالميراث والشهادة والقوامة فلم يساوي بين الرجل والمرأة نظرًا لطبيعة جسمها وعاطفتها وعظم مسؤولياتها …بينما ساوى بينهما في الثواب والعقاب فكتب الأجر نفسه لهما في الفضائل والعقوبة ذاتها في الرذائل ليقوم المجتمع الإسلامي على أسس وأعمدة سليمة وقوية…

العدل في جوهره ميزان الله في الأرض، يعطي كل ذي حق حقه بحسب استحقاقه، لا بحسب صورته ولا بحسب انتمائه ولا بحسب ما يبدو من تشابه بينه وبين غيره. أما المساواة فهي تسوية شكلية قد تبدو براقة في ظاهرها، لكنها إذا أُطلقت من غير حكمة، انقلبت ظلماً مقنّعاً، لأنها تساوي بين المجتهد والمتقاعس، وبين العالم والجاهل، وبين البار والفاجر، وكأن الجهد لا قيمة له، وكأن الأمانة لا وزن لها، وكأن التقوى لا ترفع صاحبها درجة.

ولهذا لم يجعل القرآن المساواة غاية، بل جعل العدل هو الأصل والأساس. قال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾، ولم يقل بالمساواة. لأن المساواة المطلقة حين توضع في غير موضعها قد تقتل الحق باسم الإنصاف. ولذلك جاء السؤال القرآني فاصلاً وحاسماً: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، ليقرر أن التسوية بين المختلفين مصادمة لفطرة الكون وسنن الله في الخلق.

العدل في التصور الإسلامي ليس مساواة في النتائج، بل إنصاف في التقدير. هو ميزان يقيم الناس على أساس العمل والتقوى والمسؤولية، لا على أساس النسب ولا الشكل ولا القوة. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، فساوى بين الناس في الحكم، لكنه لم يساوِ بينهم في المنزلة عند الله، لأن المنزلة تصنعها القلوب والأعمال لا الأسماء.

وفي الوقت نفسه قرر الإسلام أن التفاضل الحقيقي ليس بالعرق ولا باللسان ولا باللون، وإنما بالتقوى: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى». فكان العدل تكافؤاً في الميزان، لا تطابقاً في القيمة، ومساواة في المسؤولية أمام القانون، لا إلغاء للفروق التي جعلها الله لحكمة.

ومن هذا الفهم العميق قام نظام الحكم والقضاء في الإسلام. فالقاضي يساوي بين الخصمين في مجلسه ونظره وحكمه، لكنه يفرق بينهما في البينات والشهادات والقرائن، لا محاباة ولا هوى، بل تحقيقاً للعدل الذي به تستقيم الحياة.

حتى في التشريعات التي لم يساوِ الله فيها بين الذكر والأنثى، كالميراث والقوامة وتحمل أعباء الذود عن الأوطان، لم يكن ذلك انتقاصاً ولا تفضيلاً مجرداً، بل توزيعاً عادلاً للأدوار والتكاليف بحسب الفطرة والاستعداد والمسؤولية. فالعدل هنا ليس أن نحمل الجميع العبء نفسه، بل أن نحمل كل واحد ما خُلق له وما يقدر عليه.

وهكذا يبقى العدل أسمى من المساواة، وأعمق منها، وأرحم بالإنسان منها. فالعدل يضع كل شيء في موضعه، أما المساواة العمياء فقد تزيح الأشياء عن مواضعها وهي تظن أنها تنصفها. وبين ميزان يزن بالحق، وميزان يكتفي بعدّ الأرقام، فرق يشبه الفرق بين حكمة السماء وضيق أفق البشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *