أ.رنا جابي

كان العالم قبل الإنترنت أكثر هدوءًا وأقل صخبًا…
لم يكن الإنسان يعرف الكثير عمّا يدور خلف حدوده الضيقة، وكانت قناة تلفزيونية واحدة كافية لتملأ المساء دهشةً واكتشافًا، وكأنها نافذة صغيرة على “صندوق الدنيا” وكانت أحاديث المجالس تدور حول العائلة والأصدقاء وتفاصيل الحياة اليومية البسيطة.

ثم جاءت الفضائيات، فاتسعت الدائرة وأصبح العالم أكثر انكشافًا، وأصبح الحوار يتجاوز حدود الحي والمدينة ليشمل القضايا العالمية، ومع اتساع المعرفة اتسعت اللغة….

وبعد عقود قليلة، طرقت الثورة التكنولوجية أبوابنا ودخلت إلى عقولنا وأعادت تشكيل سلوكنا وأحكامنا وظهر جيل تعلّم استخدام التكنولوجيا، ثم جيل نشأ معها، ثم جيل وُلد داخلها.. فانبثقت لغة وتخصصات جديدة في الجامعات وتغيرت متطلبات سوق العمل واختلفت معايير التقييم الوظيفي..

وقد قسّم التربويون الأجيال الحديثة إلى ثلاث أقسام:

جيل الألفية. (Millennials): 1-جيل تعلم التكنولوجيا

(Z) جيل : 2-جيل نشأ معها

:جيل ألفا 3-جيل ولد داخلها

)Zلغويًا؛ جاءت تسمية “ألفا” بعد انتهاء الحروف اللاتينية عند (
 تربويًا؛ هو الجيل الذي وُلد في القرن الحادي والعشرين ولم يعرف عالَمًا بلا إنترنت أو هواتف ذكية وذكاء اصطناعي.

هو جيل بصري تفاعلي، يتعلم بسرعة، ويفضل الفيديوهات والتطبيقات على النصوص الطويلة. يميل إلى الاكتشاف والتجربة أكثر من الحفظ، ويُظهر وعيًا مبكرًا بقضايا البيئة والعدالة الاجتماعية والقضايا العالمية وأكثر انفتاحًا على الثقافات المختلفة. وهو جيل رقمي بالفطرة، معتاد على التعلم المدمج، قادر على تعدد المهام ومعالجة المعلومات بسرعة.

التحديات التي يعاني منها جيل ألفا:

يعاني جيل ألفا من ضعف التركيز طويل المدى والاعتماد المفرط على الصورة وقلة الصبر نتيجة اعتياده على النتائج الفورية وضعف في أعصاب وعضلات اليد بالإضافة إلى قلة الألعاب الجسدية والحركة كما يعاني ومن فجوة رقمية ولغوية بينه وبين معلميه ووالديه ومن التوازن بين المهارات الرقمية والهوية واللغة والتفكير النقدي.

كيف نتعامل مع جيل ألفا في المدارس الدولية؟

في المدارس الدولية، لا يُنظر إلى اللغة بوصفها مادة منفصلة، بل هي أداة لفهم العالم.

في المرحلة الابتدائية: (PYP(

يكون التعليم قائما على الاستقصاء لا التلقين (الهوية، الانتماء، العادات) وتخدم القواعد الفكرة والمفاهيم لا العكس.

 حيث يبدأ الدرس بمحفز بصري ثم قراءة تفاعلية وأسئلة مفتوحة ويحرص المعلم على الدمج الواعي والموظف للتكنولوجيا لا الاستهلاك العشوائي.

في المرحلة المتوسطة (MYP)

 يكون التعليم قائما على الاستقصاء ويبدأ الطالب بالبحث عن هويته، ويظهر التفكير النقدي ويناقش قضايا الإعلام، والسوشال ميديا، وكيف تصنع اللغة الرأي العام وترتبط بالسياقات العالمية وهنا لا تكون اللغة كلمات، بل موقف وانتماء وتأثير حيث يبحث الطالب في الهوية والعلاقات والثقافات المختلفة والقيم والمسؤولية الاجتماعية ومشاكل المجتمع… 

كيف نعلم جيل ألفا اللغة العربية؟

الطريقة المثلى لجعل اللغة العربية جاذبة لجيل ألفا علينا اتباع ما يلي:

1-التجربة لا التلقين ونقل المعلومة من خلال القصص المصورة، وتمثيل الأدوار.

2-ربط اللغة بالحياة اليومية (ماذا أقول؟ متى؟ لماذا؟)

3-تقديم القاعدة داخل السياق بجرعات صغيرة مدعومة بصريًّا وحركيًّا.

4-الاستماع والمحادثة ثم القراءة والكتابة (أناشيد، حوارات، ألعاب لغوية مثل: كاهوت – أ ب ت …)

5-تشجيع التحدث دون خوف وذلك بتوفير بيئة آمنة للطالب ما يعزز ثقته بنفسه.

6-استخدام التقنية للتفاعل لا للمشاهدة فقط وتكليفه بمهام رقمية ذات هدف لغوي واضح.

7-ربط العربية بالقيم والهوية والانتماء والذاكرة فاللغة ليست حروفا مصفوفة في الكتب فقط.

8-تدريب كادر تعليمي من المتخصصين ليكونوا موجهين ومحفزين وصنّاع بيئة تعليمية مثالية.

9-تبني منهجا تعليما يَعتبر الكتاب المدرسي ضرورة مشروطة (يجب أن يقترن بمصادر رقمية).

ولتعزيز حضور العربية في المدرسة، نحتاج إلى ثقافة مؤسسية حية تتبنى نشاطات صفية كالمشاريع ولا صفية كمسابقات (الشعر، التهجي، القراءة، الكتابة، والقرآن…) بالإضافة إلى الإذاعة الصباحية، والاحتفال بيوم اللغة العربية وعروض مسرحية، وتقديم الأنشطة والحفلات المدرسية بالعربية لتصبح اللغة ممارسة يومية، وتتحول من مادة إلى هوية وخاصة في عالم أصبحت فيه اللغة العربية لغة عالمية

كيف نخلق التوازن لدى جيل ألفا؟

 هناك سباق بين المؤسسات التعليمية على تبني التكنولوجيا وجعله أساسًا في حياة الطالب والمعلم ويخفقون أحيانًا في خلق التوازن بين الإنترنت وتذوق فنون الشعر والبديع وتعليم الخط العربي الذي لم يكن يومًا ترفًا تربويًا، بل ضرورة عقلية وروحية في زمن أفسدت فيه الشاشات إيقاع التركيز وأضعفت صبر العقول …وهو مدرسة خفية للصبر، ليكتشفوا فن السكون وقيمة الجلوس بثبات وكيف يمنحون الفكرة وقتها، والحرف حقّه، والنفس هدوءها… في عالمٍ يركض بلا توقف

علّموهم أن الجمال لا يُولد من العجلة، بل من التأني، وأن الإتقان يحتاج إلى صبرٍ، لا إلى نقرةٍ عابرة على شاشة وأن المراجعة فرصة للترميم والخطأ ليس نهاية الطريق، بل فرصة لبداية جديدة… وابنوا شخصياتهم قبل مهاراتهم، فإن استقام الحرف، استقامت الروح وإذا تهذبت اليد تهذب معها الفكر وإن هدأت هدأ معها

حصّنوهم بكل جميل ضد ثقافة الرضا السريع، ولنسمو بذائقتهم إلى مستوى يتناسب مع إنسانيتهم وفطرتهم، ليدركوا يقينًا أن النتائج العظيمة لا تأتي بضغطة زر، ولا تولد من استعجال عابر، بل تُبنى بالاستمرار، وتتشكّل بالمحاولة، وتنضج بالمثابرة. وأن القوة ليست بالسرعة وحدها، بل بالاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *