أ.طارق سليمان

تتزين المدن بالحدائق والأشجار.. فتعجب الناظرين .. ويتنسم المارة في طرقاتها رائحة الورد والياسمين .. فيعتدل مزاج سكانها كما اعتدل مناخها وتجود قريحتهم بأروع الأفكار..

هكذا كانت مدينة غرناطة الغناء في الأندلس.. غرناطة التي لم يقتصر جمالها على الحدائق والأزهار والأنهار فقط، ولكنه امتد إلى الميادين والساحات الواسعة التي كانت عنصرا معماريا مميزا لهذه المدينة يضاف إلى جمال عمارتها..

في عصور الحب والعدل لم تتسع هذه الساحات لكافة طوائف البشر فقط، ولكنها امتدت لتتسع لاختلاف افكارهم.. فلقد كانت ساحات للقراءة والنقاش الحر ومقارعة الحجة بالحجة وأعمال الفكر والعقل..

ولكن في عصور العسف والظلم يضيق كل ما هو براح حتى النفوس تضيق..

وتتحول ساحات القراءة إلى ساحات لحرق الكتب.. ومنابر النقاش إلى عواميد لتعليق أصحاب الرأي المخالف ..

لم تغب أبدا غرابة ورعب ذكرى هذا المشهد من ذاكرة الطفلة سليمة التي كانت في سن صغيرة وهي تشاهد مكتبة جدها أبو جعفر الوراق وقد كومها الجنود القشتاليون في اكوام كبيرة على الأرض وداسوها بالأحذية الغليظة ومزقوا أغلفتها في ساحة باب الرملة بمدينة غرناطة.. وهي التي كانت لا تجرؤ على لمس غلاف واحد منهم رغم كونها الأثيرة لدى جدها ثم بدأوا يسكبون عليها الزيوت وأشعلوا فيها النيران..
لم يخفف من حرقة قلبها على أبيها الذي اقتاد
وه إلى مكان غير معلوم ولم تره بعدها أبدا .. ولا زوجها سعد الذي فر من اسمه الإفرنجي الغريب الذي لم يكن يطيقة ولا يقبل أن يناديه أحد به.. فالأسماء ليست فقط أسماء الأجساد، بل هي أسماء الأرواح التي ينادي بها علينا خالق الروح عند الحساب..
لم يخفف من حرقة قلب سليمة بعد كل ما عانته إلا مجموعة من الكتب الثمينة التي أخفاها جدها الوراق ومن بعده أبيها في كافة العلوم.. فقد كانت تقضي ليلها في القراءة واستظهار الكتب ونهارها في مساعدة أهل حيها
تداوي المرضى و تساعد العجائز والضعفاء ..  
ولكن الجنود القشتاليون والقساوسة والرهبان كانوا يجوبون الشوارع والأسواق يراقبون تصرفات المسلمين أو من كانوا مسلمين بعد أن أجبروهم على تغيير ديانتهم وأسمائهم..



كانوا كمن يفتشون في نيات وصدور من تبقى على الأرض من النساء الضعفاء ..
كان هدفهم الأساسي أن تنتهي هذه الأجيال تماما وبسرعة شديدة حتى لا تذكرهم بوضاعتهم وخستهم..

ولأن سليمة كانت ممن يساعد هؤلاء الضعفاء على البقاء لذا فقد جذبت إليها الأنظار ..
انتبهت إليها محاكم التفتيش والإرهاب الديني المقدس .. واتُهمت سليمة بالسحر وسيقت إلي محكمة التفتيش .. وصدرعن المحكمة قرار لايزال محفوظا بمكتبة الاسكوربال ب «مدريد»:
«إنه في عام سبعة وعشرين وخمسمائة وألف من ميلاد المسيح وفي اليوم الخامس عشر من شهر مايو وبحضورنا نحن: أنطونيو أجابيدا القاضي بديوان التحقيق وألفونسو ماديرا المحقق وميجيل أجيلار المحقق في الديوان العام بدأ التحقيق فيما شاع ونما إلى علمنا من أن «جلوريا ألفاريز» واسمها القديم «سليمة بنت جعفر» تمارس السحر الأسود وتحوز في بيتها ما يدعو إلى الشبهة من بذور ونباتات وتراكيب شيطانية تستخدمها في إيذاء الناس.. ونثبت نحن المحققين – بعد القسم على الأناجيل الأربعة – بأن سليمة بنت جعفر صارت مسيحية وغيرت اسم أمها من «أم حسن» إلى «ماريا بلانكا» وعمد زوجها سعد المالقي باسم «كارلوس مانويل» أما ابنتها «عائشة» فصارت «بيرانزا» وبعد مداهمة بيت سليمة والاستيلاء على كتبها ومعملها.. سئلت سليمة:
هل تؤمنين بالشيطان؟
فردت: «لا أعتقد أن للشيطان وجودا، وكل ما يحدث للناس مرده مرض الجسد أو العقل» وعلق القاضي الكاثوليكي بقوله: «إن تهمة إنكار الشيطان – وحدها – كافية لحرقها بعد تعذيبها لشفاء روحها» ثم عاد القاضي فسألها:
«هل تسري في الليل عبر المسافات على ظهر دابة؟»
فكان جوابها: «أنا لم أسمع أن بشرا حدث له ذلك سوى محمد نبي المسلمين»
فسألها القاضي: «هل حدث ذلك فعلا؟»
فقالت: «لقد تعمدت وصرت نصرانية»
فقال القاضي – موجها الحديث للحضور – «لقد تعمدت لكنها لم تتخل عن دينها المحمدي» ثم نطق القاضي بالحكم: «اجتمع المجلس الموقر من علماء اللاهوت والناطقين باسم الكنيسة الكاثوليكية وبعد المناقشات والمداولات توصلنا إلى أن المدعوة «جلوريا ألفاريز».. كافرة وحكمنا عليك بالتعذيب للتطهير ثم الحرق»
وعريت سليمة وقُطِع ثدييها ثم عُلّقت من ساقيها وأشعلوا النيران تحتها فماتت غريقة بدمها.. حريقه بالنار
..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *