د.شادي صلاح محمود؛ أكاديمي سوري ومحلل سياسي
في مجتمعاتنا الإسلامية عامة والعربية خاصة لا يوجد لدى حكوماتها ترغيب لها بالعمل السياسي، بل الملاحظ لدى كثير منها الترهيب من التدخل في الشؤون السياسية، وما نراه في هذه البلدان من مظاهر سياسية ما هي إلا شكلية، كالأحزاب التي تكون واجهة للحكومة وناطقة باسمها، كحزب البعث الذي كان أداة بيد نظام الأسد يوجّهه بما يخدم حكمه ويثبّت أركانه، وأما الأحزاب الأخرى الموصوفة بأنها أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، فكانت تمثيلية لإرسال رسالة إلى الداخل والخارج بوجود تعددية سياسية في سوريا، وفي الواقع لا تعددية سياسية حقيقية، فسياسة هذه الأحزاب كان يرسمها حزب البعث القائد للدولة والمجتمع ويضع لها الخطوط العريضة والحمراء.
وعلى مستوى الأفراد نلاحظ أن أي سوري يتكلم في السياسة والشأن العام ويوجه انتقادًا ما لحكومة الأسد، مصيره الاعتقال أو القتل، فكثرت سجون معتقلي الرأي وهذا ما جعل السوريين يحجمون عن السياسة ممارسة وتنظيرًا، فغابت سياسة الإصلاح وحضرت سياسة النفاق.
ويبدو أن منع الناس من السياسة سببه التخوف من توصيف الواقع وكشف الحقيقة للناس ونشر الوعي بينهم ودفعهم إلى التفكير الناقد والتعبير عن الواقع، وهذا لا يروق للحكومات المستبدة التي يعجبها الإنسان الطائع والتابع والخاضع والخانع؛ فالاستبداد مرتبط بهذا الإنسان الموصوف أعلاه، فإذا تغيّر وصفه سقط الاستبداد، وإن فرعون ما تفرعن واستبد إلا بعد أن رأى الناس خاضعه له طائعة، فقال لهم حينئذ: {ما أُريكم إلا ما أرى} ثم ادّعى الربوبية فقال: {أنا ربكم الأعلى}.
ولقد سقط نظام الأسد المستبد، والسوريون اليوم يتطلّعون إلى حياة سياسية حقيقية من خلال التعددية الحزبية والرأي الآخر الواعي الذي فيه الحقيقة والحكمة وصلاح البلاد من الفساد والاستبداد، ومن هنا أدعو السوريين إلى دخول عالم السياسة، وطرق بابها والكلام في الشأن العام؛ ففي ذلك خير كبير، فالحقوق منوطة بالسياسة، والإصلاح موقوف عليها، والاستبداد زائل بمقاربتها.
ومن المغالطات وصف السياسة بأنها شر عريض ورجس من عمل الشيطان فاجتنبوه، وكنا نسمع بمثل هذا في زمن نظام الأسد على ألسنة شيوخ على المنابر وعلماء في المدارس الشرعية، وكان هذا بتوجيه من الأمن والمخابرات لإبعاد الناس عن الشأن العام، وأما اليوم وقد تحررت سوريا فليس مقبولًا من أحد أن يوجّه الناس إلى مثل هذا ويدعوهم إلى الزهد في السياسة وعدم الالتفات إليها والاهتمام بشأنها، أو يفتي لهم بحرمة مقاربتها أو تعاطيها وممارستها، بل ينبغي على هؤلاء إن كانوا يريدون الخير لسوريا وشعبها أن يدفعوا الناس إلى ممارسة العمل السياسي الذي غايته إصلاح ما أفسده نظام الأسد، وأن يبينوا للناس أن العمل السياسي الذي غايته الإصلاح واجب من باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) وأن السياسة أصيلة في الإسلام وأنه دعا إلى التعددية السياسية من خلال الحض على الحوار واحترام تعدد الآراء ، وأن النبي عليه الصلاة والسلام مارسها، ومن بعده أصحابه الكرام، وأن المرأة التي قاطعت عمر بن الخطاب وهو على المنبر ناقدةً له فيما وجه إليه معترضة عليه في تحديد المهور، لهو دليل على شيوع ثقافة الرأي الآخر والمشاركة في الشأن العام، وما استجابة عمر لرأيها وتراجعه عن موقفه إلا إقرار بسياسة الرأي الآخر.
ولقد دعا كثير من المفكرين الإسلاميين إلى أن يضرب المثقفون بسهم في السياسة، فهذا محمود عباس العقاد يقول: ” كل أديب تمر بلده في أزمة أو في دور من أدوار النهضة فمن واجبه أن يشترك في هذا الدور وأن يؤدي واجبه تمامًا كأنه في موقف التجنيد، فالسياسة ليست مسألة اختيارية، فكل أديب لابد أن يحمل عبء السياسة في وقت من الأوقات خصوصًا في الأمم التي تكون لها قضية خاصة بالاستقلال والتحرر”
وأخيرًا، أدعو السلطة السورية الناشئة إلى فتح الحياة السياسية لأهلها من السوريين وعدم احتكارها ومصادرتها لصالح الرأي الواحد والحزب الواحد كما كان الأمر في عهد نظام الأسد؛ فالحكومة العادلة لا تخشى من تنظيم أحزاب سياسية إصلاحية ومن مشاركة الناس بالسياسة الداخلية والخارجية، وإنّ سوريا بحاجة في هذه المرحلة إلى عمل سياسي حقيقي لإحداث الفرق وصنع التغيير الذي قامت لأجله ثورتنا السورية ثورة الإصلاح والكرامة.

