أ.محمود مصطفى هلال

لم يتألم من العابرين سوانا؛ فنحن الأمواتُ حقًّا وهم الأحياء، إذ هم الذين يفتقدوننا، بينما نحن الغارقون في أمَسّ الحاجة إلى دعائهم وصدقاتهم. نحن الأمواتُ؛ بفعل إنسانيتنا التي ذبلت ومشاعرنا التي ماتت، حتى استحلنا إلى مجرد آلاتٍ صماء في ترس الرأسمالية، تقلبنا الأيامُ كيفما تشاء.

​وليس الموتُ أن يُقبر المرءُ في جوف التراب وتضمه أحضان الأرض، إنما الموتُ أن يظل التائهُ في غياهب الحيرة يطارد سرابًا ويحسبه حقيقةً. فحين تندلع الحروب في كل زاوية، وتُذبحُ الأطفالُ ونحن عاجزون حتى عن همس الشفاه، تغدو قلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة؛ وتالله ليس من الحق في شيء أن نُدعى بلقب (إنسان).

​وعلى الرغم من يقيني بأن هذه هي طبيعة البشر منذ صرخة الموت الأولى على يد قابيل، إلا أن الأمر قد اشتد في عصرنا هذا؛ فقد فقدنا المبادئ، وضللنا جوهر الرجولة. بيد أن الرجولة ليست ملامح وجهٍ أو هيئةً خارجية، بل هي مآثرُ أسمى من ذلك بكثيرٍ؛ ولاستجلاء معناها الحقيقي، علينا التدبر في نبأ كليم الله موسى في سورة “القصص”، حين وجد المرأتين عند البئر، فانبرى للمساعدة وتحمل المشقة عنهما؛ إذ تلك هي شيمة الرجال.

​وحتى النساء؛ فقدت بعضهن تلك الأنوثة التي تنبثق من الكرامة والستر.

كما وصفها الحق سبحانه: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}؛

آية تبرز صفات الأنوثة في أبهى صورها، لا تبرجًا ولا زينةً زائفة.

​إننا في حاجةٍ شديدة إلى استعادة البصيرة قبل النظر في تفاصيل حيواتنا، أو الانشغال بأزماتنا كنسب الطلاق التي تتفاقم يومًا بعد يومٍ. إننا حقًّا ظِماءٌ إلى الحب الذي يغسل أرواحنا، لنتلمس من خلاله طريق العودة مجددًا إلى رحاب إنسانيتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *