(ليس ذنب البحر إن غرق من لا يعرف السباحة)

محمد الراوي

لم يكن سقوط النظام السوري السابق في 8 ديسمبر 2024 مجرد نهاية لرجل غادر قصره، ولا مجرد تبدل في السلطة بعد سنوات طويلة من الحرب. كان سقوطا لنموذج سياسي اعتقد طويلاً أن بقاء الدولة يعني بقاء النظام، وأن قوة السلطة تقاس بقدرتها على اخماد الأصوات المخالفة، لا بقدرتها على بناء دولة يشعر مواطنوها أنهم جزء منها.

انتهى حكم بشار الأسد بعد أكثر من خمسين عاماً من حكم حزب البعث، وبعد ثلاثة عشر عاما من حرب خلفت بلداً مثقلاً بالدمار، والنزوح والانقسام والفقر. وقد وثقت منظمات حقوقية دولية انتهاكات واسعة نسبت إلى الحكومة السابقة، شملت الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري والقتل في الاحتجاز، فيما كانت الأزمة الاقتصادية والانسانية قد وصلت إلى مستويات شديدة القسوة.

لكن السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحا بعد سقوط النظام ليس فقط: لماذا سقط؟

السؤال الأكثر أهمية هو: كيف وصل إلى تلك النهاية؟

هنا تعود بنا الصورة إلى البحر، ليس ذنب البحر أن غرق من لا يعرف السباحة.

وليس ذنب الأزمات وحدها أن انهارت دولة لم تعد مؤسساتها قادرة على مواجهة تلك الأزمات. وليس من المنطقي أن تختصر سنوات الفشل كلها في العقوبات أو الحرب أو التدخلات الخارجية، كما لا يصح تجاهل أثر هذه العوامل في تدمير الاقتصاد والمجتمع السوري.

لكن الدول التي تحكمها مؤسسات حقيقية تعرف أن الأزمات لا تختفي بالإنكار، وأن الخصوم لا يصبحون أقل خطراً بمجرد سجنهم، وأن الفقر لا يعالج بالخطابات، وأن الخوف قد يفرض الصمت لفترة، لكنه لا يصنع بالضرورة الاستقرار.

حين يصبح الصمت دليلا على النجاح

أحد أكبر أخطاء النظام السابق كان الخلط بين غياب الاحتجاج ووجود الرضا.

في الدولة التي يخاف فيها المواطن من الكلام، قد تبدو الشوارع هادئة، لكن الهدوء لا يعني أن المجتمع مقتنع. وفي النظام الذي تتحول فيه المعارضة إلى تهمة، يصبح الصمت لغة اجبارية، لا تعبيرا عن الاستقرار.

وهكذا تراكمت المشكلات تحت السطح، كان يمكن للسلطة أن تسمع النقد قبل أن يتحول إلى غضب، وأن ترى الفقر قبل أن يتحول إلى يأس، وأن تدرك خطورة الفساد قبل أن يصبح جزءا من بنية الدولة، وإن تفهم أن المواطن الذي لا يجد فرصة للعمل أو أملاً بالمستقبل لن تقنعه كثرة الشعارات.

لكن السلطة التي لا تسمع إلا صوتها، تصبح مع الوقت عاجزة عن معرفة حجم الخلل الحقيقي.

فشل الاقتصاد ليس رقما فقط، بل كان الفشل الاقتصادي واحدا من أكثر المجالات قسوة في السنوات الأخيرة من حكم النظام السابق.

لقد أسهمت الحرب والعقوبات وانهيار البنية التحتية وتراجع الإنتاج والاستثمار في تدمير الاقتصاد السوري. ووفق البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي السوري بما يزيد على 50 بالمئة تراكميا منذ عام 2010، بينما بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي نحو 830 دولارا في عام 2024.

لكن الأرقام وحدها لا تقول الحكاية كاملة.

الحكاية هي موظف فقد قيمة راتبه، وشاب لم يجد عملا، وعائلة باتت تحسب ثمن الخبز والوقود والدواء، ومواطن اضطر إلى مغادرة بلده بحثا عن حياة أكثر استقرارا.

وعندما يصبح تأمين الاحتياجات الأساسية معركة يومية، تفقد الدولة شيئاً جوهرياً من شرعيتها، مهما حاولت أن تفسر الأزمة بمؤامرات الخارج.

الدولة التي تحولت إلى سلطة

ربما كان الخطأ الاعمق هو أن الدولة لم تعد، في نظر قطاعات واسعة من السوريين، مؤسسة فوق الخلافات، بل أصبحت السلطة هي الدولة، ومن يعارض السلطة يبدو وكأنه يعارض الدولة نفسها.

وهذا الخلط خطير، الدولة تبقى، أما الحكومات فتتغير، المؤسسات يجب أن تكون أقوى من الأشخاص، والقانون يجب أن يكون أعلى من المسؤول، والجيش يجب أن يحمي الوطن لا أن يتحول إلى أداة في صراع سياسي، والقضاء لا يمكن أن يكون تابعا للسلطة التنفيذية إذا كان المطلوب بناء دولة مستقرة.

وحين تختفي هذه الحدود، يصبح سقوط السلطة أخطر على الدولة نفسها.

وهذا ما يجعل تجربة سوريا درساً سياسياً لا للسوريين وحدهم، بل لكل من يعتقد أن الأمن يمكن أن يحل محل السياسة، وأن القبضة الأمنية يمكن أن تعوض غياب المؤسسات.

الخارج ليس بريئا… لكنه ليس شماعة دائمة

من السهل بعد كل انهيار سياسي أن يقال أن الخارج هو السبب.

وسوريا كانت، ولا تزال، ساحة لتدخلات وصراعات دولية واقليمية معقدة. وقد لعب الدعم الروسي والإيراني للنظام السابق دوراً مهما في بقائه عسكرياً وسياسيا حتى سقوطه، كما ساهمت العقوبات والحرب الطويلة في تعميق الأزمة الاقتصادية.

لكن تحميل الخارج كل شيء يعني إعفاء الداخل من المسؤولية.

الدولة التي تكون مؤسساتها قوية تستطيع التغلب على المحاولات الخارجية. أما الدولة التي تنهكها الانقسامات والفساد وغياب المحاسبة، فإن العاصفة الخارجية لا تحتاج إلى كثير من القوة كي تكشف هشاشتها.

ولهذا، لم يكن سقوط النظام السابق نتيجة عامل واحد، بل كان نتيجة تراكمات طويلة.

المشكلة لم تكن أن البحر كان عميقاً، بل المشكلة أن من أمسك دفة السفينة لم يتعامل مع عمق البحر كما ينبغي.

كان هناك وقت كان يمكن فيه اصلاح السياسة قبل انفجار الثورة، ووقت كان يمكن فيه توسيع مساحة المشاركة، ووقت كان يمكن فيه معالجة الفساد، ووقت كان يمكن فيه بناء مؤسسات أكثر استقلالاً، ووقت كان يمكن فيه الاستماع إلى الناس قبل أن يصبح الاستماع إليهم مكلفاً.

لكن الفرص السياسية، مثل فرص النجاة في البحر، لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.

وحين بدأت السفينة بالغرق، لم يعد تغيير قبطانها كافيا.

كان لا بد من مواجهة حقيقة أن السفينة نفسها تحتاج إلى إعادة بناء.

سقوط النظام السابق لا يعني أن سوريا خرجت تلقائيا من أزمتها.

فالدول لا تنهض بمجرد سقوط حاكم سيء، بل النهضة تحتاج إلى مؤسسات، وعدالة، ومحاسبة، واقتصاد، وحقوق متساوية، وضمانات لجميع السوريين، وقدرة على تجاوز منطق الانتقام. كما أن المرحلة الانتقالية نفسها ليست محصنة من الأخطاء والمخاطر فالتقارير الحقوقية اللاحقة لسقوط النظام حذرت من استمرار العنف والانتهاكات ومن مخاطر تركيز السلطة في المرحلة الانتقالية.

إذا كان النظام السابق قد فشل لأنه لم يتقن الابحار، فلا يجوز لمن جاء بعده أن يكرر الخطأ نفسه.

لا يكفي أن نقول أننا نختلف عن الماضي، بل المطلوب أن تكون هناك دولة مختلفة فعلا.

دولة لا يخاف فيها المواطن من رأيه، ولا يحتاج فيها إلى واسطة كي يحصل على حقه، ولا يصبح انتماؤه السياسي أو الطائفي أو المناطقي سبباً في حرمانه من العدالة.

دولة يكون فيها القانون أقوى من السلاح، والمؤسسة اقوى من الشخص، والمواطنة أقوى من الولاء السياسي.

البحر لا ينتقم من أحد، هو فقط يعمل بقوانينه، وكذلك التاريخ.

قد يسكت سنوات، وقد يمنح الأنظمة وقتا طويلاً، لكنه في النهاية يسجل النتائج.

والنظام الذي بنى استمراره على الخوف بدلاً من الثقة، وعلى الولاء بدلاً من الكفاءة، وعلى القمع بدلاً من السياسة، قد ينجح في البقاء فترة طويلة، لكنه لا يستطيع ضمان الاستقرار

وهذا هو الدرس السوري الأكبر، لا يكفي أن نسأل لماذا سقط النظام السابق.

علينا أن نسأل لماذا لم يستطع أن يبني دولة تمنع سقوطها بهذا الشكل، ولماذا لم يستطع أن يحول القوة الى مؤسسات، والخوف إلى ثقة، والسلطة إلى عقد بين الحاكم والمواطن.

 إذا كان الماضي قد ترك سوريا سفينة مثقوبة، فإن مسؤولية الحاضر ليست البحث عن قبطان جديد فحسب، بل اصلاح السفينة، والتأكد من أن البحر القادم لن يبتلع وطنا كاملا مرة أخرى.

محمد الراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *