رائحة الحرب تتسع: الشرق الأوسط بين التصعيد وفرص السلام

لمى العادلي

باحثة في العلاقات الدولية والعلوم السياسية

تتجاوز خطورة المشهد الإقليمي احتمال اندلاع حرب شاملة فقط، إلى تحول التهدئات المؤقتة إلى أسلوب دائم لإدارة الصراع. فمن غزة إلى الخليج العربي والبحر الأحمر، تتشابك ساحات المواجهة عبر الأمن والطاقة والتحالفات، دون نظام أمني قادر على احتواء تفاعلاتها. لذلك لا يصبح السؤال الأهم كيف تتوقف جولة التصعيد، بل لماذا تفشل التهدئة في إنتاج تسوية، وكيف يمكن تحويل خفض النار إلى بداية لاستقرار إقليمي لا مجرد استراحة بين الحروب؟

المشهد الإقليمي الراهن

المشهد الراهن ليس حرباً واحدة، بل شبكة أزمات تتقاطع مصالحها من دون أن تتطابق أطرافها. ففي غزة يتمحور الصراع حول القضية الفلسطينية ومستقبل القطاع، بينما يرتبط البحر الأحمر بتداعيات الحرب وحسابات الحوثيين وأمن الملاحة، ويكشف الخليج العربي عن تنافس أوسع حول إيران والولايات المتحدة وترتيبات الأمن الإقليمي. وتتحرك القوى وفق حسابات مختلفة: ففيما تريد واشنطن حماية مصالحها وشركائها، تسعى إسرائيل بدروها إلى منع خصومها من تحسين مواقعهم، بينما ينصب اهتمام إيران على تعزيز الردع وتقليص الضغط عليها. بدروها، تحاول دول الخليج العربي حماية أمنها واقتصاداتها من كلفة المواجهة.

وهنا تظهر أهمية تفسير السلوك الإيراني من زاوية أمن النظام ومواجهة الضغط الخارجي، بدمجها مع إبراز أثر التدخلات الخارجية وأزمة النظام الإقليمي. ويكشف الجمع بين المنظورين أن استمرار الأزمات لا ينتج عن قرار واحد بالحرب، بل عن تفاعل مخاوف أمنية ومصالح سياسية داخل بيئة تفتقر إلى قواعد مشتركة لإدارة التنافس.

لذلك قد تنتقل آثار التصعيد من ساحة إلى أخرى: فاضطراب الملاحة يرفع الكلفة الاقتصادية، والتصعيد في غزة يعمق الاستقطاب، وأي مواجهة مع إيران تعيد حسابات الحلفاء والخصوم. ومن دون معالجة هذه الروابط، تظل التهدئة المؤقتة عرضة للانتكاس.

التهدئات المتعثرة

تتعثر التهدئات لأن الأطراف تريد تجنب الحرب، لكنها لا تثق بأن الطرف الآخر سيلتزم إن تراجعت هي أولاً. ويمكن اعتبارها معضلة التزام تجعل التنازل مخاطرة سياسية وأمنية، خصوصاً حين لا توجد جهة قادرة على ضمان التنفيذ.

ففي غزة، لا يتوقف الخلاف عند وقف القتال، بل يمتد إلى الانسحاب ونزع السلاح ومن يملك سلطة إدارة القطاع ومستقبله السياسي. وفي الملف الإيراني، يتداخل النووي مع العقوبات والصواريخ البالستية والنفوذ الإقليمي وأمن الخليج العربي. أي أن أي اتفاق جزئي سيكون عرضة للانهيار إن شعر أحد الأطراف أنه خسر أكثر مما كسب.

والمفارقة أن التصعيد مكلف للجميع، لكنه في المقابل، قد يمنح طرفاً ما مكسباً تفاوضياً أو داخلياً، فيصبح استمرار التوتر خياراً قابلاً للحساب. لذلك لا تكفي قنوات الاتصال وحدها؛ فالتهدئة المستدامة تحتاج إلى ضمانات متبادلة، وآليات تحقق، وحوافز تجعل الالتزام أكثر فائدة من إفشاله. فالغاية ليست إزالة انعدام الثقة فوراً، بل تغيير الحساب الذي يجعل التصعيد خياراً عقلانياً مطروحاً.

وهذا يتطلب أيضاً بناء ترتيبات أمنية إقليمية تقلل اعتماد كل طرف على القوة المنفردة بوصفها وسيلته الأساسية لحماية مصالحه.

تحويل التهدئة إلى سلام

هناك إمكانية لتحويل هذه التهدئات المؤقتة التي طالما يتم التراجع عنها إلى سلام حقيقي، لكن يسبق ذلك اشتراطات عدة. أولها مسار تدريجي يربط الأمن بالمصالح السياسية، لا عبر صفقة واحدة تنهي كل الملفات. أي أن تبدأ الخطوة الأولى بوقف قابل للمراقبة، وحماية الملاحة، وخطوط اتصال مباشرة، على أن تُربط التنازلات بمكاسب واضحة لكل طرف.

فعلى المستوى الإيراني، يمكن أن تقترن القيود القابلة للتحقق على الأنشطة النووية والتصعيدية بتخفيف للعقوبات وضمانات أمنية، بحيث لا يبدو التنازل استسلاماً. أما في الخليج العربي والبحر الأحمر، فيمكن تطوير ترتيبات مشتركة لأمن الملاحة والإنذار المبكر، بينما تحتاج غزة إلى ربط التهدئة بترتيبات للحكم والأمن وإعادة الإعمار ومسار تسوية سياسية فلسطيني؛ لأن بقاء أصل الصراع سيعيد إنتاج العنف.

وهنا تستطيع الدول العربية الانتقال من الوساطة إلى الضمان، باستخدام وزنها الاقتصادي والدبلوماسي لتقديم حوافز مرتبطة بالتزامات محددة، فيما تستخدم الولايات المتحدة نفوذها لدفع الأطراف نحو قواعد متبادلة. ولا يعني ذلك انتظار ثقة كاملة، بل بناء مصالح تجعل خرق التهدئة أعلى كلفة من الالتزام بها. فإذا ارتبط أمن الطاقة والتجارة والملاحة باستمرار الهدوء، أصبحت دوافع الحفاظ على التهدئة أقوى من دوافع إفشالها. عندها يتحول الأمن من غاية مؤقتة إلى وسيلة لفتح الطريق أمام التسوية، وتصبح التهدئة بداية لمسار سياسي بدلاً من أن تكون مجرد تأجيل لجولة جديدة من الصراع.

إن الخطر الأكبر ليس الحرب وحدها، بل اعتياد المنطقة على إدارتها عبر تهدئات مؤقتة. فالتهدئة التي لا تغير حسابات الأطراف، بل تؤجل الانفجار ولا تمنع عودته. لذا، فإن معيار النجاح ليس عدد الأيام التي يصمت فيها السلاح، بل مقدار ما يتغير في قواعد الصراع بعدها. فإن أصبحت التهدئة جزءاً من ترتيبات تمنح الأطراف حوافز حقيقية للالتزام، فقد تتحول من نهاية مؤقتة للحرب إلى بداية لنظام إقليمي أكثر استقراراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *