نحن الذين بقينا.. ونحن الذين عدنا

قراءة تقديرية استشرافية في الموارد النفسية والاجتماعية للانتقال السوريّ

ثريا بشماف

مدخل منهجي: من سؤال ما الخلل؟.. إلى سؤال.. ما الذي ينجح؟

اعتادت الكتابة عن سوريا أن تبدأ من الجرح.. ماذا انكسر، ومن المسؤول، وما الذي ينقص.. وهذه قراءة ضرورية، لكنها ليست الوحيدة الممكنة، يقترح هذا المقال زاوية مختلفة، وهي زاوية المنهج التقديريّ الذي طوّره ديفيد كوبررايدر وسوريش سريفاستفا أواخر الثمانينيات في دراسة المنظمات والمجتمعات..

ينطلق هذا المنهج من فرضية بسيطة، أنّ المجتمعات تتحرك في اتجاه الأسئلة التي تطرحها على نفسها.. فمن يسأل دائماً لماذا نفشل؟ يجد أسباباً كثيرة للفشل.. ومن يسأل متى نجحنا، وكيف نوسّع ذلك؟ يكتشف موارد كانت موجودة لكنها غير مرئية..

ويسير المنهج التقديري في أربع مراحل، يعتمدها المقال إطاراً لبنيته:

المرحلةالسؤال المركزيما يقابلها في الحالة السورية
الاكتشافما الذي صمد ونجح فعلاً؟التكافل الأهلي، المبادرات المجتمعية، قرار العودة
الحلمما الصورة الممكنة إذا بُني على ذلك؟سوريا التي يتخيلها أبناؤها لا التي تُرسم لهم
التصميمما البنى التي تحوّل الطاقة إلى مؤسسة؟الحوكمة المحلية، الشفافية، الفضاء الثقافي
المصيركيف تستمر الحركة وتتجدد؟تعلّم جمعي وذاكرة إيجابية للإنجاز

ولا يعني هذا المنهج إنكار الألم أو تجميل الواقع، فالمخاطر الأمنية والاقتصادية والاجتماعية قائمة، وقد عالجها المقال السابق بمنهج نقدي.. أما هنا فالغاية أن نرى النصف الآخر من الصورة، ما الذي يملكه السوريون ليبنوا به، لا ما ينقصهم فقط..

الاكتشاف.. ما الذي صمد؟

أول ما يلفت النظر في سوريا بعد عام 2024 ليس حجم الدمار، إذ أنّ سرعة تحرّك المجتمع لترميم نفسه قبل أن تكتمل مؤسسات الدولة.. فقد ظهرت خلال 2025 حملات محلية واسعة لتمويل مشاريع المياه والتعليم والخدمات، بمشاركة أبناء المحافظات في الداخل والمهجر:

المبادرةالمحافظةالتاريخالحصيلة المعلنة
أبشري حوراندرعا30 آب 2025نحو 37–40 مليون دولار
أربعاء حمص (مع فريق ملهم التطوعي)حمص13 آب 2025نحو 13 مليون دولار
دير العزدير الزور11 أيلول 2025هدف معلن 25 مليون دولار

إلى جانب هذه الحملات الكبيرة، انتشرت مبادرات صغيرة لا تُحصى، من تنظيف الشوارع، وطلاء الجدران، وترميم المدارس، وفتح المكتبات والمراكز الثقافية من جديد.. قيمتها النفسية تفوق قيمتها المادية، لأنها تعيد للناس الإحساس بأن المكان لهم..

والمورد الثاني هو قرار العودة نفسه، فقرابة 1.8 مليون لاجئ عادوا من دول الجوار حتى نهاية آب 2026، ونحو مليوني نازح رجعوا إلى مناطقهم، صحيح أن ظروف العودة صعبة، لكن كل عائد يمثل في العمق تصويتاً بالثقة، رهاناً شخصياً على أن المستقبل هنا ممكن..

أما المورد الثالث، وهو الأقدم، فهو ثقافة التكافل، الفزعة والعونة وصناديق العائلات والأحياء، هذه الأشكال التقليدية أبقت ملايين الأسر على قيد الحياة خلال الحرب، حين غابت الدولة أو صارت مصدر خطر، وهي اليوم رأس مال اجتماعي جاهز للاستثمار في البناء..

النمو ما بعد الصدمة حين يصير الألم معرفة

يشيع الحديث عن اضطراب ما بعد الصدمة في سوريا، وهو حقيقي ويستحق العناية، لكن علم النفس يعرف أيضاً مفهوماً موازياً أقل شهرة، النمو ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Growth)، الذي صاغه ريتشارد تيديشي ولورنس كالهون في التسعينيات..

وتشير أبحاثهما إلى أن كثيراً ممن يمرون بمحن كبرى يخرجون بتحولات إيجابية في خمسة مجالات، ويمكن تلمّس هذه المجالات في التجربة السورية:

1.  تقدير الحياة: جيل عرف هشاشة كل شيء صار أكثر وعياً بقيمة الأمان والتعليم والبيت.

2.  عمق العلاقات: الشتات أعاد تعريف العائلة والصداقة، وخلق شبكات تضامن عابرة للحدود.

3.  القوة الشخصية: آلاف النساء أدرن أسراً واقتصادات صغيرة وحدهن، واكتشفن قدرات لم يكنّ يعرفنها.

4.  إمكانات جديدة: ملايين تعلموا لغات ومهناً وأساليب عمل في بلدان اللجوء، ويعودون بها اليوم.

5.  التحول القيمي والروحي: أسئلة المعنى والعدالة والهوية صارت حاضرة في النقاش العام بعد عقود من الصمت.

لا يعني النمو أن الصدمة كانت مفيدة، ولا أنه يحدث للجميع، لكنه يعني أن الألم الجمعي يمكن أن يتحول إلى معرفة جمعية، إذا وجد من يحتضنه ويمنحه لغة ومكاناً..

الفاعلية الجمعية تكون أن نصدّق أننا نستطيع معاً

صاغ ألبرت باندورا مفهوم الفاعلية الجمعية (Collective Efficacy): إيمان الجماعة بقدرتها على تحقيق أهدافها بالعمل المشترك. وهذا الإيمان، كما بيّنت أبحاثه [أنها تُبنى بتجارب نجاح صغيرة ومتراكمة..

من هذه الزاوية، تتجاوز حملة أبشري حوران كونها جمعاً للتبرعات، لقد كانت تمريناً جماعياً على المواطنة، أهل محافظة كاملة رأوا أنهم قادرون على أن يقرروا ويموّلوا وينفّذوا، وكل مدرسة رُمّمت بجهد الحي، وكل مكتبة أُعيد فتحها بمتطوعين، تضيف لبنة إلى هذا الإيمان..

ويضاف إلى ذلك مورد نادر، رأس المال المهاجر، فالسوريون في الخارج ليسوا مجرد مصدر للتحويلات المالية، فهم خزان للخبرات في الطب والهندسة والتعليم والتقنية والإدارة، وحين تلتقي خبرة المهجر بمعرفة المقيم بالأرض، تنشأ فاعلية لم تكن متاحة لأي من الطرفين وحده..

الحلم بسوريا كما يتخيلها أبناؤها

في المنهج التقديري يُطلب من الناس أن يحلموا انطلاقاً مما اكتشفوه في أنفسهم، والسؤال هنا.. إذا وسّعنا ما نجح فعلاً، فكيف تبدو سوريا بعد عشر سنوات؟

يمكن رسم ملامح هذا الحلم من نبض المبادرات نفسها:

•    مدن يملكها أهلها: مجالس محلية فاعلة يشارك فيها الناس في تحديد الأولويات، كما فعلوا في حملاتهم.

•    تنوع بوصفه ثروة: حلب ودمشق وحمص والساحل والجزيرة والجنوب، كل منها بلون ثقافي يغني الهوية الوطنية ولا يهددها.

•    جيل يقرأ ويسأل: مكتبات ونواد للقراءة ومراكز ثقافية تتحول إلى مساحات للحوار والتعافي.

•    اقتصاد يعيد الكفاءات: بيئة تجعل الشاب الجامعي يرى مستقبله هنا، ويجعل المغترب يرى في العودة فرصة لا تضحية.

•    ذاكرة تُروى لا تُكبت: أرشيف وطني للتجربة السورية، بكل آلامها وبطولاتها اليومية، يتعلم منه الأبناء.

قد يبدو هذا الحلم بعيداً، لكن قيمته النفسية في أنه يمنح المجتمع اتجاهاً، والمجتمع الذي يعرف إلى أين يريد أن يذهب يحتمل مشقة الطريق أكثر من مجتمع يكتفي بالهرب من ماضيه..

المصير.. كيف تستمر الحركة؟

المرحلة الأخيرة في المنهج التقديري تعني الاستمرار، فالمجتمعات التي تتعافى تلك التي تتعلم من كل نجاح صغير كيف تصنع نجاحاً أكبر، وليست تلك التي لا تواجه الأزمات كما يظن الكثر..

ويحتاج ذلك إلى ما يمكن تسميته ذاكرة الإنجاز، أن يتذكر السوريون، إلى جانب ما فقدوه، ما صنعوه بأيديهم، فالشعب الذي جمع عشرات الملايين لمحافظاته في أيام، ورمّم مدارسه، وعاد إلى بيوته المهدمة ليبنيها، يملك سجلاً يستحق أن يكون جزءاً من هويته..

خاتمة.. السؤال الذي نختار طرحه حقاً..

لا يلغي هذا المقال القراءة النقدية، فأنا أريد أن أكملها على هذه الطريقة التي تناسب شعبنا العظيم.. فالنقد يحمي من الوهم، والتقدير يحمي من اليأس، والانتقال السوري يحتاج إلى العينين معاً.. عين ترى المخاطر بوضوح، وعين ترى الموارد بالوضوح ذاته..

وربما كان أهم ما يمكن أن يقدمه علم النفس للحظة السورية هو تذكيرنا بأن الأسئلة ليست بريئة.. فحين نسأل ما الذي يمكن أن نبنيه بما لدينا؟)، لا نصف الواقع قدر ما نشارك في صنعه، فسوريا لا تنتظر من ينقذها، إنها تتعلم كيف تنقذ نفسها..

المصادر والمراجع:

•     Cooperrider, D. & Srivastva, S. (1987). Appreciative Inquiry in Organizational Life.

•     Tedeschi, R. & Calhoun, L. (1996). The Posttraumatic Growth Inventory. Journal of Traumatic Stress.

•     Bandura, A. (1997). Self-Efficacy: The Exercise of Control. (فصل الفاعلية الجمعية)

•     Putnam, R. (2000). Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community.

•     الاستقلال: «نموذج فعلي».. ما مدى نجاح المبادرات المجتمعية في دفع عجلة التنمية في سوريا؟ (2025)

•     الجزيرة نت: هل تنجح المبادرات الأهلية في دعم التنمية وإعادة الإعمار بسوريا؟ (31 آب 2025)

•     UNRIC / UNHCR: Syrian refugees return home (حتى 31 آب 2026)

•     North Press Agency: UNHCR expects one million Syrian refugees to return in 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *