أ: رهف الجاسم
في المجتمعات التي تمرّ بتحولات كبرى، لا يكون السؤال الحقيقي عمّا يمتلكه الشباب من أحلام فحسب، بل عمّا يتيحه لهم المجتمع لتحويل هذه الأحلام إلى واقع. فالشباب ليسوا مجرد مرحلة عمرية عابرة، ولا فئة يُستحسن الاستماع إليها في المناسبات، بل هم جزء أساسي من الحاضر، وعنصر مؤثر في تشكيل المستقبل.
وفي المجتمع السوري، تكتسب هذه الحقيقة أهمية مضاعفة؛ إذ نشأت أجيال من الشباب وسط ظروف صعبة، واضطرابات اجتماعية واقتصادية تركت آثارها على التعليم والعمل والعلاقات الإنسانية، وأثّرت في قدرة كثيرين منهم على التخطيط لمستقبل واضح المعالم. ومع ذلك، لم تختفِ الرغبة في التعلّم، ولم تتراجع الأحلام، ولم يفقد الجميع إيمانهم بإمكانية التغيير.
كثيراً ما يُلام الشباب على قلة المبادرة، أو يُتهمون بالانشغال بالعالم الافتراضي، أو بعدم امتلاك الصبر الكافي لتحقيق النجاح. لكن هل من العدل أن نطالبهم بالمبادرة دون أن نتيح لهم مساحات حقيقية للمشاركة؟ وهل يمكن أن نطالبهم بالاستقلالية بينما يصطدمون بعوائق تحدّ من قدرتهم على العمل والتعلّم وتحقيق ذواتهم؟
إن اختزال مشكلات الشباب في طريقة تفكيرهم يُغفل جانباً أساسياً من الحقيقة. فالشاب الذي يبحث عن فرصة عمل، والفتاة التي تسعى إلى استكمال تعليمها، والمتطوع الذي يريد خدمة مجتمعه، جميعهم يحتاجون إلى بيئة تمنحهم الثقة، وتقدّر جهودهم، وتتيح لهم فرصاً عادلة للنمو والتطور.
ولا يعني ذلك إعفاء الشباب من مسؤولياتهم، بل وضع المسؤولية في إطارها الصحيح؛ فالمجتمع مسؤول عن توفير الفرص، والشباب مسؤولون عن استثمارها، والمؤسسات مسؤولة عن بناء جسور التعاون بين الطرفين.
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من الحياة اليومية للشباب، ونافذة يطلّون منها على العالم، ويتبادلون عبرها الأفكار والمعارف والتجارب. لكنها، حين تتحول إلى المساحة الوحيدة للتعبير والانتماء، قد تُضعف حضور العلاقات المباشرة، وتزيد من الشعور بالعزلة أو المقارنة المستمرة بالآخرين.
ولا تكمن المشكلة في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في طريقة استخدامها، وفي غياب البدائل الاجتماعية التي تمنح الشباب شعوراً حقيقياً بالمشاركة والإنجاز.
فالشاب يحتاج إلى مساحة يتحاور فيها، ومبادرة يشارك في صنعها، وبيئة يستطيع فيها التعبير عن رأيه دون خوف من السخرية يحتاج إلى أن يشعر بأن وجوده يُحدث فرقاً، وأن أفكاره لا تُقاس بعمره، بل بقيمتها وقدرتها على الإسهام في الخير العام.
لا يمكن بناء مجتمع متماسك من خلال مطالبة أفراده بالمسؤولية دون إشراكهم في اتخاذ القرارات. ومن هنا، تبرز أهمية المبادرات الشبابية، والعمل التطوعي، والأنشطة الثقافية، والنوادي التعليمية، والمساحات الحوارية التي تجمع الأجيال حول قضايا مشتركة.
إن إشراك الشباب لا يعني منحهم أدواراً شكلية، بل الإصغاء إلى آرائهم، والاستفادة من خبراتهم، وإتاحة الفرصة لهم لاقتراح الحلول وتنفيذها وتقييم نتائجها.
كما أن الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام تتحمل مسؤولية مشتركة في تشكيل نظرة المجتمع إلى الشباب. فبدلاً من التعامل معهم بوصفهم فئة تحتاج دائماً إلى التوجيه، ينبغي التعامل معهم بوصفهم أفراداً قادرين على التعلّم والمبادرة، مع حاجتهم الطبيعية إلى الدعم والإرشاد.
وتحتاج الفتيات الشابات، على وجه الخصوص، إلى فرص متكافئة للتعليم والمشاركة المجتمعية، وإلى بيئات تحترم قدراتهن وتساعدهن على تطوير مهاراتهن والمساهمة في محيطهن.
وإن مستقبل سوريا لا يتوقف على القرارات الكبرى وحدها، بل يتشكل أيضاً من خلال التفاصيل اليومية:
طالب يجد من يشجعه على متابعة تعليمه، وشابة تطلق مبادرة تخدم مجتمعها، وشاب يتعلم مهنة جديدة، ومجموعة من المتطوعين تتعاون لتحسين واقع حيّها.
قد تبدو هذه الخطوات صغيرة أمام حجم التحديات، لكنها تمثل بداية ضرورية لاستعادة الثقة بين الفرد ومجتمعه، وترسيخ ثقافة المبادرة بدلاً من الاستسلام، والتعاون بدلاً من الانعزال.
ولا ينبغي أن نحمّل الشباب وحدهم مسؤولية إصلاح ما تراكم من أزمات، أو أن نطلب منهم تعويض غياب الفرص بالإرادة وحدها. فالإرادة مهمة، لكنها تحتاج إلى تعليم جيد، وبيئة آمنة، وفرص عادلة، ومؤسسات تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو أساس أي نهضة مستدامة.
إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: ماذا سيفعل الشباب في المستقبل؟
بل: ماذا نفعل نحن اليوم كي نمنحهم القدرة على المشاركة في صنعه؟
فالشباب لا يحتاجون إلى خطابات تمجّد طاقتهم بقدر ما يحتاجون إلى ممارسات تثق بقدراتهم. ولا يحتاجون إلى وعود متكررة بقدر ما يحتاجون إلى فرص ملموسة، ومساحات حقيقية للمشاركة، ومجتمع يرى فيهم شركاء لا مجرد متلقّين للتوجيه.
إن المجتمع الذي يمنح شبابه الثقة والمسؤولية لا يستثمر في فئة عمرية فحسب، بل يستثمر في قدرته على النهوض والتجدد.
فالشباب ليسوا مستقبل المجتمع فقط؛ إنهم جزء من حاضره، وأي مشروع للنهوض يتجاهلهم سيظلّ مشروعاً ناقصاً مهما بدت شعاراته كبيرة.

