محمد خير خليف الشهاب مخيمات أطمة
هناك أوطان تنتهي حروبها عندما تصمت المدافع، وهناك أوطان تبدأ معركتها الحقيقية بعد أن يصمت كل شيء.
فأصعب ما في الحروب ليس عدد القتلى، ولا حجم الدمار، بل كيف يعيش الأحياء بما بقي في ذاكرتهم من وجع. وكيف يستطيع مجتمع أنهكته السجون والمقابر والنزوح والغياب أن يواصل السير نحو المستقبل دون أن يتعثر بجراح الماضي.
واليوم، وبعد أن طوت سوريا صفحة ثقيلة من تاريخها، وبدأ أبناؤها يعودون إلى مدنهم وقراهم، عاد معهم كل شيء الذكريات، والصور القديمة، وأسماء المفقودين، والأسئلة التي ظلت معلقة لسنوات طويلة.
عاد أب ما زال يبحث عن أثر لابنه المعتقل. وعادت أم لا تزال تنتظر طرقات الباب التي تأخرت أعواما. وعاد من خرج من السجون يحمل آثار التعذيب في جسده وروحه. وعادت عائلات كاملة إلى بيوت هجرها أصحابها قسرا، لتجد نفسها وجها لوجه أمام ذاكرة لا تزال تنزف.
وفي مدينتي تدمر، كما في مدن سورية كثيرة، لم يكن المشهد مختلفا. فالناس لم يعودوا إلى حجارة البيوت فقط، بل عادوا إلى الأماكن التي فقدوا فيها أبناءهم وأصدقاءهم وأحلامهم. ولهذا ليس غريبا أن تتصاعد مشاعر الغضب حين يرى البعض من كانوا جزءا من آلة القمع أو من ساهموا في إيذاء الناس ما زالوا يعيشون بينهم.
فالغضب هنا ليس نزوة عابرة، ولا حالة يمكن الاستهانة بها. إنه نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من الألم والحرمان والقهر.
ومن حق الضحايا أن يغضبوا ليحاسب كبار المجرمين
ومن حق الأمهات أن يسألن عن أبنائهن.
ومن حق المعتقلين أن يطالبوا بمحاسبة من ظلمهم.
ومن حق كل سوري فقد عزيزا أو بيتا أو جزءا من عمره أن يبحث عن العدالة.
لكن السؤال الذي يواجهنا اليوم ليس:
هل نغضب أم لا؟
بل هو:
ماذا نفعل بهذا الغضب؟
إن الفرق بين الثورة والاستبداد، وبين الدولة والفوضى، ليس في وجود الغضب أو غيابه، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا الغضب.
فحين يتحول الألم إلى مطالبة بالعدالة، يصبح قوة تبني الوطن.
أما حين يتحول إلى انتقام خارج إطار القانون، فإنه يمنح الفوضى فرصة جديدة للحياة.
وهنا تكمن المعضلة التي تواجه سوريا اليوم.
فقد شهدت بعض المناطق احتجاجات ومواجهات وأعمالا استهدفت أشخاصا معروفين لدى المجتمع المحلي بدورهم في دعم منظومة القمع السابقة. ويمكن لأي إنسان أن يفهم الدوافع النفسية والإنسانية وراء هذه المواقف، خاصة عندما يكون أصحاب المظالم قد فقدوا أبناءهم أو ذاقوا مرارة السجون أو عاشوا سنوات من الخوف والتهجير.
لكن فهم الغضب لا يعني تحويله إلى بديل عن العدالة.
لأن العدالة التي يحملها الأفراد بأيديهم سرعان ما تتحول إلى صراع مفتوح لا يعرف أحد أين ينتهي.
ولأن الدولة التي يُستبدل فيها القضاء بردود الأفعال تفقد تدريجيا قدرتها على حماية الجميع، الضحية والبريء والمتهم على حد سواء.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن تتحول قضية محاسبة المتورطين الحقيقيين إلى باب للفوضى بدل أن تكون مدخلا للعدالة.
وهنا يجب أن نعلم جميعنا
أن الدفاع عن حقوق الضحايا لا يعني القبول بالفوضى.
بل إن الحقيقة هي أن الضحايا أنفسهم أكثر من يحتاج إلى دولة قوية وعادلة، تنصف المظلومين لأن الدولة وحدها قادرة على تحويل الألم إلى حق، والحق إلى حكم قضائي، والحكم إلى عدالة يطمئن إليها المجتمع.
ولهذا فإن مسؤولية الدولة اليوم كبيرة.
ومن حق كل الذين عانوا و مازالوا يعانون أن يطالبوا بالإسراع في إجراءات العدالة الانتقالية، وأن يروا خطوات واضحة وشفافة في التحقيق والمحاسبة وكشف الحقائق وجبر الضرر والتعويض ورد الاعتبار للضحايا، لأن العدالة لا تكتمل بالعقوبة وحدها، بل تكتمل عندما يشعر المظلوم أن دولته اعترفت بألمه ووقفت إلى جانبه.
فحجم الانتهاكات التي عاشتها سوريا خلال السنوات الماضية هائل، والملفات والوثائق والشهادات تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين للوصول إلى محاسبة عادلة ومنصفة.
وهذا لا يبرر التأخير، لكنه يفسر لماذا تحتاج العدالة إلى الصبر بقدر حاجتها إلى الحزم.
ولعل من أكثر الجراح إيلاما تلك التي حملها المعتقلون والمعتقلات، ولا سيما النساء اللواتي تعرضن للانتهاكات والاعتداءات داخل السجون. فهذه الجراح لا تظهر دائما في الصور والتقارير، لكنها تعيش في أعماق أصحابها كل يوم.
ولهذا فإن إنصاف الضحايا لا يعني فقط معاقبة الجناة، بل يعني أيضا حماية الناجين، وصون كرامتهم، ورفض أي نظرة أو خطاب يزيد من معاناتهم.
وقد تختلف الروايات التي حملها الشهداء في قلوبهم، وقد تتباين الانتماءات والأفكار، لكن هناك حقيقة لا ينبغي أن تكون موضع خلاف بين السوريين جميعا وهي:
أن الإنسان الذي قُتل ظلما، أو عُذّب، أو فُقد، أو انتُهكت كرامته، له حق لا يسقط.
وأن هذا الحق لا يحفظه الانتقام، بل تحفظه العدالة.
إن سوريا اليوم لا تُبنى بثقافة الثأر، ولا بثقافة النسيان.
بل تُبنى بثقافة العدالة.
عدالة تكشف الحقيقة.
وتنصف الضحية.
وتحاسب الجاني.
وتحمي البريء.
وتمنع عودة أي شكل من أشكال الظلم أو الاستبداد.
إن الوطن لا يُختبر عندما ينتصر أبناؤه على خصومهم، بل عندما ينتصرون على رغبتهم في أن يردوا الظلم بظلم مثله.
ولهذا، فإن أعظم وفاء للشهداء ليس أن نبقى أسرى الغضب، بل أن نبني الوطن الذي حلموا به.
تكون فيه العدالة أقوى من الخوف، وأقوى من الثأر، وأقوى من الجراح.
فحين تتأخر العدالة، يتقدم الغضب.
وحين يتقدم الغضب على القانون، يخسر الجميع، الضحية، والدولة، والمجتمع.
أما حين تلتقي العدالة مع هيبة الدولة، فإن الوطن وحده هو الذي ينتصر.

