فاطمة عبدالله
لم تعد الهوية الوطنية السورية قادرة على أداء دورها الجامع الذي يفترض أن يذيب الفوارق ويؤسس لشعور مشترك بالانتماء. فمع تراكم الأزمات السياسية والاجتماعية، وتنامي الانقسامات الطائفية والقومية والمناطقية، انحسرت الهوية السورية المشتركة أمام تصاعد الهويات الفرعية، التي تحولت بدورها إلى أدوات تعبئة وصراع. وهكذا، لم تعد هذه الهويات مجرد تعبيرات ثقافية أو اجتماعية، بل أصبحت أدوات في معركة النفوذ والوجود، ما أدى إلى تراجع مفهوم المواطنة الجامعة التي تستوعب التنوع وتحوّله إلى مصدر قوة وبناء.
هذا التآكل في الهوية لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج تاريخ طويل من سياسات الإقصاء والتهميش والقمع، حيث جرى توظيف الانتماءات الجزئية لتعزيز السلطة أو لمقاومة الآخر ومحو حضوره. ومع مرور الوقت، تكرّس هذا المسار حتى بات السوريون أمام واقع تتنازع فيه الولاءات الضيقة، وتنهار فيه الهوية الوطنية تحت ضغط الاستقطابات الحادة، لتتحول من إطار جامع إلى ساحة مفتوحة للصراع.
ولم يقتصر الأمر على الداخل، إذ سرعان ما تحوّلت سوريا إلى ساحة مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية، بحكم موقعها الجيوسياسي المركزي في الشرق الأوسط. هذه التدخلات لم تقتصر على الدعم العسكري أو السياسي، بل امتدت إلى إعادة تشكيل الهويات الفرعية نفسها، بحيث أصبحت كل جماعة ترى في حليف خارجي سنداً وجودياً، وفي خصومه تهديداً مباشراً. وهكذا، تعمّق الانقسام، وتكرّست خرائط نفوذ قائمة على الولاءات المتعددة، ما زاد من هشاشة الهوية الوطنية الجامعة.
في مرحلة ما بعد الصراع، وجدت الدولة السورية نفسها أمام تحدٍ وجودي يتمثل في إعادة بناء المجتمع والدولة على أسس جديدة. ولعل أبرز هذه التحديات هو تآكل الثقة المجتمعية، وهي مسألة لا يمكن معالجتها بالخطاب السياسي وحده، بل تتطلب مساراً مؤسساتياً طويل الأمد. فإعادة بناء الثقة تستلزم قيام مؤسسات حيادية قادرة على تمثيل جميع المواطنين دون تمييز، وإثبات ذلك من خلال ممارسات ملموسة تعكس تحولاً حقيقياً عن إرث الدولة السابقة.
ويبدأ هذا المسار من القضاء، بوصفه الضامن الأول للعدالة، من خلال استقلاليته وحياده وقدرته على معالجة مظالم الماضي بآليات شفافة. ويمتد إلى إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعقيدة العسكرية، بحيث تتحول إلى مؤسسات وطنية لا ترتبط بانتماءات ضيقة، بل تحمي المواطن بصفته مواطناً. كما يشمل تمكين الإدارات المحلية ومنحها صلاحيات فعلية، بما يعزز المشاركة المجتمعية ويحدّ من مركزية القرار، إضافة إلى بناء إعلام وطني مستقل يعبّر عن مختلف المكونات ويكسر احتكار الرواية الرسمية.
لقد أنهكت سنوات الصراع الطويلة المجتمع السوري، ومزّقت نسيجه الاجتماعي، ودفعت أفراده إلى الانكفاء داخل هويات ضيقة بحثاً عن الأمان. غير أن استمرار هذا المسار لا يعني سوى إعادة إنتاج الأزمة بصيغ جديدة. من هنا، يصبح الانتقال نحو هوية وطنية جامعة ضرورة لا خياراً، وهو انتقال لا يتحقق بالشعارات، بل عبر مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
إن اللحظة الراهنة، بما تحمله من تحولات إقليمية ودولية، تفرض على السوريين إعادة النظر في موقعهم وخياراتهم. فالتنوع الذي كان يُنظر إليه كمصدر تهديد، يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا ما أُحسن توظيفه ضمن إطار وطني جامع. وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ونخبة قادرة على تجاوز الانقسامات، ومجتمعاً مستعداً للانخراط في عملية إعادة بناء طويلة ومعقدة.
في المحصلة، لا يمكن لسوريا أن تستعيد عافيتها دون استعادة هويتها الوطنية الجامعة. هوية لا تُلغي التنوع، بل تنظمه وتستثمره، ولا تقمع الاختلاف، بل تؤطره ضمن مشروع وطني مشترك. عندها فقط، يمكن الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة الدولة، ومن منطق الولاءات الضيقة إلى أفق المواطنة الشاملة، بما يفتح الباب أمام مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.

