أحمد مظهر سعدو
في محاولة لإلقاء نظرة في العمق على سورية وأحوالها، يمكن القول بكل وضوح أنه لا يبدو أن ما شهدته العاصمة السورية دمشق خلال الشهر الفائت من تحرك العديد من التظاهرات الشعبية والتي نادت ببعض المطالب الشعبية الخدمية والضرورات المعيشية للناس كل الناس، أنه سيكون ظاهرة سلبية او نكوص إلى الوراء. ولعل أحوال السوريين كانت ومازالت محفوفة بالمخاطر، وما برح السوريون يتوجسون خيفة من خلال تجاربهم الصعبة السابقة مع نظام العسف الأسدي، عندما كان ذاك النظام يواجه أي تظاهرة بالقتل أو الاعتقال السياسي، الذي عادة ما يكون مؤداه ومسيره نحو الموت والتصفية في معتقلات وسجون القمع.
الواقع الآني يقول وبعد سقوط نظام بشار الأسد: إن حاجز الخوف قد ولى إلى غير رجعة، وأن الصوت العالي بات ضرورة للضغط على الحكومات، من أجل تحقيق بعض هذه المطالب، والتي عادة ما تكون محقة، مثل مسألة تخفيض سعر الكهرباء الذي بات في ارتفاع غير مسبوق، بالتوازي مع الدخل المنخفض للناس، ولا يمكن تحمله من قبل المواطن السوري، الذي يعيش على دخل شهري لذوي الدخل المحدود، يحوم حول المليون ونصف ليرة سورية، أي ما يعادل أقل من مئة وخمسين دولارًا أميركيًا. علاوة على حالة التضخم الكبرى الحاصلة في الإقليم، والتي تتأثر بها الحالة الاقتصادية السورية بكل تأكيد، ناهيك عن نسق الغلاء الفاحش في أسعار المواد الغذائية.
لعل ذلك ومعه الكثير مما يشبهه، يدفع بالضرورة إلى مزيد من التعبير عن الامتعاض، وعدم القبول الشعبي، وهو حق طبيعي للناس الذين يعانون من غلاء الأسعار وعدم القدرة على الإنفاق. لكن هذه المظاهرات التي تشهدها دمشق، لابد من الاشتغال على قوننتها، وقد يكون على أجندة مجلس الشعب السوري الذي سيعقد أولى جلساته (كما قيل) قريبا جدًا، تشريعات كثيرة منها قانون للتظاهر، تماشيًا مع ما يُتبع في الدول المتقدمة والديمقراطية، التي تحدد أولويات ذلك وأساساته والتعليمات التنفيذية له وفق القوانين والإجراءات المتبعة.
أما أن تجري عملية تخوين محمومة في وسائل التواصل الاجتماعي للمتظاهرين ورشقهم بالعبارات التي تحيلهم الى تصنيفات كالفلول أو الشبيحة، أوما هو قريب من ذلك، أو التعدي عليهم في الشارع، بدعوى أنهم ضد الثورة السورية، أو أنهم يخربون ويقطعون الطريق على مسارات ومسيرة البناء والتغيير، فهذا ما لا يمكن أن يتماشى مع فكر الثورة السورية العظيمة التي ضحت بما هو أزيد من مليون شهيد، وأكثر من ٩٠٠ الف معتقل، حسب إحصاءات أممية ومنظمات حقوقية، من أجل حرية الكلمة والكرامة الإنسانية للسوريين، التي كانت مغيبة أيام حكم الأسد/ الأب ثم الابن .. الحق الطبيعي للمواطن السوري في دولة ما بعد بشار الأسد أن يعبر عن رأيه سلمًا، وأن ينادي بعلو الصوت في الشعارات التي يعتقد أنها حق مطلبي له ولأسرته، ومن حقه على الدولة أيضًا أن تقوم قوات أمن الدولة بحمايته، تهيئة لتلبية هذه المطالب المحقة وفق الإمكانية.
رب قائل يقول: حتى لو كان هناك من الفلول من يستغل في بعض الأحيان هذه المظاهرات وهم متواجدين في دمشق لكنهم قلة قليلة جدًا، ولا يجوز بأي حال من الأحوال التهجم على المتظاهرين الشرفاء أو تخوينهم، أو إلصاق أي تهم غير عاقلة قد تصدر من رؤوس حامية، ضد جموع هؤلاء الذين كانوا ومازالوا يعانون الأمرين جراء وضع اقتصادي معيشي لا يخفى عل أحد، ويعجز فيه المرء عن الوفاء بالتزامات حيواته اليومية من الغذاء والدواء والمواصلات.. وكذلك الكهرباء.
نعلم تمامًا أن هناك تحديات كبرى أمام حكومة دمشق، وندرك تمام الإدراك حجم هذه التحديات، وشح الأموال في سورية، بعد أن عاش السوريون سنوات عجاف من تسلط دولة للفساد والإفساد، وكان أن ما بقي من المال تم جمعه من قبل بشار الأسد ثم أخذه معه أثناء فراره إلى موسكو.
إن من حق كل السوريين بكل تلويناتهم الإثنية والأيديولوجية والطائفية أن يعترضوا ويعارضوا، كما أن من حقهم أن يتظاهروا وفق القوانين الوضعية السورية المرعية والتعليمات التنفيذية اللاحقة بها. ومن حق الناس أن يكون هناك عملية حماية لهم، ويجب أن يحاسب كل الأشخاص الذين اعتدوا على المتظاهرين السلميين، وأن تلتفت الدولة إلى مسألة (العدالة الانتقالية) ومسارها الذي طال انتظاره والعمل عليه، وبعدت المسافة، من أجل عملية جبر الضرر، ومحاسبة كل الذين أوغلوا في الدم السوري. ويبقى أن حق التظاهر هو حق مشروع للناس كل الناس، لا يجوز منعه كما لا يجوز عدم حماية المتظاهرين من قبل الدولة السورية الجديدة. اقول ذلك رغم إدراكي وإدراك كل السوريين الذين يعيشون في واقع سوري صعب، وضمن سياقات تحديات جمة، أن عدم محاسبة المعتدين على المتظاهرين، قد يخلق إشكالات كبرى، ويزيد الهوة والشرخ الشاقولي الذي يتوسع، بين أنساق المجتمع السوري، بينما نحن مقبلون (كما هو مفترص) على بناء دولة سورية متماسكة، بلا نوازع كراهية، وبدون انقسامات أثنية أو أيديولوجية أو طائفية دينية ..الحالة السورية لاشك أنها صعبة للغاية، والاشتغال الحثيث على مسألة رأب الصدع، والخروج من عنق الزجاجة، ثم عملية تجميع السوريين، والحد من حالة الفقر والعوز، بعد أن وصل خط الفقر في سورية مع أواخر أيام بشار الأسد إلى نحو ٩٠ بالمئة، وهو خط لم تصله سورية والمجتمع السوري، على مدى عمر الدولة السورية والوطن السوري.
إن معظم أنساق الشعب السوري اليوم وكل قواه الوطنية باتت تعمل من أجل قيامة سورية، والوصول إلى صياغة العقد الاجتماعي السوري الجامع، ولا أحد في سورية يمكن أن يقبل بأن تسير سورية الجديدة، بعيدًا عن أساسات دولة المواطنة، التي حُرم منها الإنسان السوري لعقود وعقود. ومن ثم فإن الجميع معني اليوم بالإمساك بسفود الحرية والكرامة والتحرر من سطوة الكراهية والتعدي على حقوق الناس في الحرية والكرامة ولقمة العيش.

