أحمد مظهر سعدو
تُبنى الحياة السياسية في أي دولة، على أساسات لابد منها وضمن معايير ومتكئات لا ضير أنها مهمة لاستمرار نماء الوطن ..خاصة إذا كان هذا الوطن في طور الخروج من أتون مرحلة طويلة من الاستبداد وحكم الطغيان وإلغاء السياسة، وضمن فجوة كبرى من اليأس كما هو حال السوريين في تلك المرحلة ، الذين عاشوا ٥٤ عامًا في ظل تجفيف منابع العمل السياسي، وضمن كل محددات وأنساق العملية السياسية على هدي تغول الحزب الواحد والجبهة الواحدة، والوجود الحزبي العملي فقط لكل من يطبل للنظام الحاكم ،ومن ثم منع أي وجود تنظيمي أو حزبي، لأي حزب، أو تنظيم لا يسبح بحمد السلطان، ولا يرتمي بأحضان السلطة الحاكمة المستبدة .
لعل تسليط الضوء اليوم على مسائل مثل هذه مرتبطة بأهمية تشريع واضح وسريع لقانون عصري للأحزاب في سورية، يأتي من منطلق أساسي مفاده: أن أي حراك جدي نحو بناء الوطن السوري والدولة الوطنية السورية، دولة المواطنة، لابد له من ملء الفراغ الذي تركه نظام العسف والقمع الأسدي، عندما منع وجود الأحزاب، وألغى السياسة من المجتمع السوري. ولعل ما يقال هذه الأيام من أن هناك ضرورات أهم وأسرع وأجدى أمام مجلس الشعب المشكل حديثًا ، مازالت تنتح من معين الفكرة القائلة بأنها الأهم والأولى، من أي عملية إسراع في مسألة إصدار قانون للأحزاب في سورية، وهو ما يدفعنا اليوم إلى القول وبملء الفيه: أنه لا حياة سياسية ولا انفراج حرياتي، أو ديمقراطي، بلا إمكانية وجود أحزاب من الممكن أن تنبت من قعر المجتمع السوري، وتؤسس لحيوات جديدة للسوريين، يتنافسون فيها حسب برامجهم وأطروحاتهم، لإنتاج حياة سياسية تتماشى وتتساوق بالضرورة مع جل التغيير الحاصل في سورية.
فأن يكون لدينا قانون عصري وحديث للأحزاب لا يمكن أن ينتقص أو يقلل أبدًا من كون هذه المرحلة انتقالية، ولا يشوه البعد الضروري لإنتاج الوعي الوطني لدى السوريين.. ويبدو أن قانون الأحزاب اليوم بات ضرورة آنية ومستقبلية لا تسبقها أي متطلبات أخرى، ولا يأخذ منها أي اهتمامات أخرى.
المشهد السياسي السوري الداخلي يشير إلى أهمية وضرورة ملء الفراغ والتشريع، لقانون وطني ديمقراطي للأحزاب لا يتبع وزارات الأمن، أو الداخلية، ويفسح المجال واسعًا نحو تأسيس قوى وأحزاب تنظيمية ناضجة، متطلعة باتجاه بناء الوطنية السورية من جديد، وتوحيد كل الجغرافيا السورية، ومنع التشتت والتشظي، على هدي قوانين جديدة تسد الفراغات، وتعيد إنتاج الوضع السوري الجديد والعصري والمستقبلي على أسس حداثية، خالية من كل أنواع التغول أو كم الأفواه.
وإذا كان هناك الآن من مازال يعتقد أن الإسراع في عملية صياغة وإنتاج قانون عصري وجديد للأحزاب، قد يسمح بوجود ثغرات، من الممكن أن ينفذ منها بعض الفلول، وأصحاب الأجندات اللا وطنية، فإن واقع السوريين المنتشين بنصر أكيد على كل أدوات الطغيان، والذين يمتلكون وعي مطابق قل مثيله، سوف يكون ضامنًا ومانعًا من وجود أي ثغرات أو هفوات، قد تدفع نحو الارتداد أو النكوص، وهو ما لا يمكن أن يحدث في ظل وجود شعب سوري ضحى بأكثر من مليون شهيد، على مذبح الحرية والكرامة. لا خوف عل ثورة الشعب السوري، ولا مناص من عملية سياسية تؤدي إلى إنتاج قانون متماسك وعصري للأحزاب، يؤشر نحو نهايات ومصائر، لابد آتية في بناء الوطن السوري، ومن ثم كنس كل مخلفات الاستبداد المشرقي.
لا حل في سورية اليوم بدون ديمقراطية، وتعددية حزبية، تعبر عن مكونات الواقع السوري فتجبر الضرر، وتنتج أجواءً جديدة من الحرية والكرامة المبتغاة.

