أ. ماهر رجب
تُعد الديمقراطية من أكثر القضايا حضوراً في نقاشات التحول السياسي، ولا سيما في الدول التي تخرج من إرث طويل من الاستبداد. ففي هذه الحالات، لا يقتصر السؤال على كيفية الانتقال من نظام سلطوي إلى نظام أكثر انفتاحاً، بل يمتد إلى طبيعة القوى التي تقود هذا الانتقال، ومدى التزامها الحقيقي بالقيم الديمقراطية. ومن هنا يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع نخب لا تؤمن بالديمقراطية فعلياً أن تبدأ مساراً ديمقراطياً؟ أم أنها قد تستخدم آليات الديمقراطية للوصول إلى السلطة، ثم تنقلب عليها عندما تتغير موازين القوى؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من توضيح معنى الديمقراطية. فاختزالها في الانتخابات والاقتراع فقط يقود غالباً إلى ديمقراطية هشة، لا تصمد أمام الأزمات السياسية وقد تسهل عودة الاستبداد بصيغ جديدة. وقد أظهرت تجارب مثل مصر وتونس أن وجود انتخابات أو مؤسسات شكلية لا يكفي وحده لحماية المسار الديمقراطي، إذا لم تكن هناك قواعد قانونية واضحة، وضمانات تحدّ من احتكار السلطة، وثقافة سياسية تقبل التعدد والخسارة، فإن المسار الديمقراطي سيواجه انتكاسة وارتداد إلى نمط استبدادي جديد.
يشير عدد من الباحثين، ومنهم لاري دايموند في كتابه «روح الديمقراطية»، إلى أن النظام الديمقراطي يحتاج إلى مؤسسات تحمي الحقوق والحريات وتضمن استمرار العملية السياسية. وتشمل هذه الحقوق حرية المعتقد والرأي والتعبير والإعلام والتجمع والتظاهر، إلى جانب حق التصويت والترشح ضمن إطار قانوني لا يقوم على التمييز. كما يتطلب النظام الديمقراطي فصلاً فعلياً بين السلطات الثلاث، وقضاءً مستقلاً، وشفافية في الوصول إلى المعلومات، ومجتمعاً مدنياً قادراً على الرقابة والمساءلة.
وبذلك، لا تُقاس ديمقراطية أي نظام بوجود الانتخابات فقط، بل بمدى خضوع السلطة للقانون، وقدرة المواطنين على محاسبتها، واحترام حقوق المعارضين، واستعداد القوى الحاكمة لقبول الخسارة السياسية.
النخبة الديمقراطية بين الخطاب والسلوك
يُعد مفهوم النخبة من المفاهيم الإشكالية في الأدبيات السياسية. فقد ربطته بعض المدارس الكلاسيكية بالأقلية التي تحتكر السلطة والاقتصاد وتؤثر في الرأي العام، بينما وسّعت الدراسات المعاصرة هذا المفهوم ليشمل الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، وغيرها من الجهات المؤثرة، حتى وإن لم تكن جزءاً مباشراً من السلطة.
وعندما نتحدث عن نخبة ديمقراطية، فلا يكفي النظر إلى الشعارات التي ترفعها، بل ينبغي فحص سلوكها داخل تنظيماتها وفي علاقتها بخصومها. فالمعيار الحقيقي لا يظهر في الخطاب، وإنما في القدرة على قبول الاختلاف، واحترام قواعد المنافسة، والاعتراف بشرعية الخصوم. ويمكن قياس ديمقراطية النخب من خلال قبول نتائج الانتخابات عند الخسارة، واحترام استقلال القضاء، والامتناع عن العنف والإقصاء، وعدم تعديل قواعد اللعبة السياسية لمصلحة الطرف الحاكم، إضافة إلى وجود تداول داخلي للقيادة داخل الأحزاب والتنظيمات.
بين بدء الانتقال وترسيخ الديمقراطية
من المهم التمييز بين ثلاث مراحل مترابطة: بدء الانتقال الديمقراطي، وبناء المؤسسات الديمقراطية، وترسيخ الديمقراطية. فقد تبدأ عملية الانتقال أحياناً على يد نخب لا تمتلك التزاماً ديمقراطياً كاملاً، إذ قد تقبل بعض الأنظمة السلطوية بإجراء انتخابات، أو صياغة دستور جديد، أو مشاركة جزء من السلطة تحت ضغط شعبي، أو بسبب تدخل خارجي، أو نتيجة عجزها عن الاستمرار في الحكم منفردة.
وفي مثل هذه الحالات، قد تُقبل الديمقراطية لا بوصفها قيمة نهائية، بل باعتبارها حلاً أقل كلفة من الصراع العنيف، أو وسيلة مؤقتة لتنظيم التنافس على السلطة. غير أن هذا القبول لا يعني بالضرورة الاستمرار فيه. فمع تغيّر موازين القوى، قد تحاول إحدى النخب احتكار المجال السياسي أو تعديل القواعد لمصلحتها.
وهنا يظهر الفرق بين بدء الانتقال وترسيخ الديمقراطية. فالانتقال قد يبدأ بتسوية مؤقتة، لكن الترسيخ يحتاج إلى مؤسسات تجعل قواعد المنافسة والتداول السلمي ملزمة للجميع، وتجعل الانقلاب عليها مكلفاً قانونياً وسياسياً ومجتمعياً. لذلك، لا يتعلق السؤال فقط بما إذا كانت النخب تتحدث عن الديمقراطية، بل بما إذا كانت مستعدة لاحترامها حين تخسر السلطة.
المجتمع ليس بمعزل عن التسويات
تُعد التسويات بين النخب من الشروط المهمة لبدء الانتقال الديمقراطي، لأنها تساعد على إدارة الخلاف وتخفيف المخاوف ومنع الإقصاء والانتقام. لكن هذه التسويات ليست ديمقراطية بالضرورة، فقد تقوم على المحاصصة وتقاسم النفوذ والمصالح بين مجموعة محدودة من الفاعلين، بينما يبقى المجتمع بعيداً عن التأثير الحقيقي.
ولا تصبح تسويات النخب ديمقراطية إلا عندما تؤسس لقواعد عامة ومفتوحة، وتضمن مشاركة المواطنين، وتمنع احتكار المجال السياسي، وتسمح بدخول قوى جديدة إلى المنافسة بوسائل سلمية وقانونية. ويأتي الدستور في قلب هذه العملية، شرط ألا يكون مجرد انعكاس لموازين القوى المؤقتة، بل إطاراً يحمي الحقوق، ويعترف بالتعددية، ويمنع تركّز السلطات في يد جهة واحدة، ويضمن للمواطنين مشاركة فعلية لا رمزية.
هل يمكن قيام ديمقراطية بنخب غير ديمقراطية؟
يمكن لنخب غير ديمقراطية أن تقبل ببدء مسار ديمقراطي، أو أن تشارك في تأسيسه، نتيجة ضغوط داخلية وخارجية، أو بسبب توازن القوى والتسويات السياسية. لكن هذا القبول قد يظل مؤقتاً، وينتهي عندما تتمكن إحدى القوى من احتكار السلطة أو إعادة تشكيل قواعد المنافسة لمصلحتها.
لذلك، لا يُعد وجود نخب ديمقراطية شرطاً مطلقاً لبدء كل انتقال سياسي، لكنه عامل أساسي في ترسيخ الديمقراطية وضمان استمرارها. فالديمقراطية لا تستقر عندما تنظر إليها النخب باعتبارها أداة للوصول إلى الحكم فقط. كما أن النخب التي لا تعترف بشرعية خصومها، أو لا تقبل الخسارة، أو تسعى إلى إخضاع القضاء والإعلام والمجتمع المدني، قد تستخدم المؤسسات الديمقراطية شكلياً، لكنها تفرغها تدريجياً من مضمونها.
ومن هنا، لا يكمن التحدي في دفع النخب إلى استخدام لغة ديمقراطية، بل في بناء مؤسسات وقواعد تجعل احترام الديمقراطية ملزماً، والانقلاب عليها مكلفاً.
خلاصة القول إن الديمقراطية المستقرة لا تنشأ من الانتخابات وحدها، ولا من الخطاب السياسي، ولا من وجود مؤسسات شكلية. إنها نتيجة تفاعل بين سلوك النخب، وقوة المؤسسات، وتوازن القوى، وقدرة المجتمع على المشاركة والمساءلة.
وقد يبدأ التحول الديمقراطي بمشاركة نخب لا تؤمن بالديمقراطية إيماناً كاملاً، لكن استمراره يظل مرهوناً بقبولها القيود المفروضة على السلطة، واحترامها نتائج المنافسة السياسية، واعترافها بحق الآخرين في الوصول إلى الحكم. فالمعيار الحقيقي لديمقراطية النخب لا يظهر عندما تصل إلى السلطة، بل عندما تخسرها، ولا يظهر في حديثها عن الحرية، بل في مقدار الحرية التي تقبل منحها لمعارضيها.

