“تَرْنِيمَةُ الخَرِيفِ الأخْضَرِ”

أ.عبد العزيز صنقر

قَالَتْ: “وَدَاعا”، وَأَرْخَى اللَّيْلُ سُتْرَتَهُ 

وَزَارِعُ الْوَرْدِ يَرْثِي الْآنَ زَهْرَتَهُ

وَصَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَاءِ أُحْجِيَةٌ

غَيْثٌ وَيُخفِي وَرَاءَ الْغَيْمِ عَبْرَتَهُ

كَأَنَّهُ الْعَازِفُ الْكَوْنِيُّ فِي رِئَتِي

لَحْنٌ عَتِيقٌ أَمَاتَ الصبحُ نَبْرَتَهُ

بَيْنَ الشِّفَاءِ وَبَيْنَ الدَّاءِ رَابِطَةٌ

فالسّمُّ يَزْرَعُ فِي التِّرْيَاقِ خِبْرَتَهُ

بَيْنَ الْأَنِينِ وَبَيْنَ الشَّدْوِ عَاطِفَةٌ

كَمَنْ يُطَبِّبُ بِالسَّلْوَى مَسرَّتهُ

كَمَنْ يُؤَانِسُ صَمْتَ اللَّيْلِ ثَرْثَرَةً

وَيُسْمِعُ الْفَجْرَ وَالْآمَالَ حَسْرَتَهُ

أَنَا عَلَى عَتَبَاتِ الصُّبْحِ مُتَّكِيءٌ

وَمَا بِصُبْحٍ يُعِيرُ الْقَلْبَ فِطْرَتَهُ

كَحَائِطٍ فِي خَرِيفِ الْبَيْتِ مُضْطَرِبٍ

يَبْكِي الْفِنَاءَ وَيُهْدِي الشَّقَّ نَظْرَتَهُ

أَوْصَى الْبَرَاوِيزَ أَنْ تَبْقَى مُرَابِطَةً

فَكَيْفَ، كَيْفَ رَمَى الْبِرْوَازُ صُورَتَهُ؟!

وَكَيْفَ يَجْثُو أَمَامَ الرِّيحِ مُنْكَسِرا؟!

وَكَيْفَ يُطْعِمُ رُكْنَ الدَّارِ خَمْرَتَهُ؟!

وَجْهُ السَّمَاءِ إذا مَا أَنْجَبَتْ شُهُباً

يَوْماً سَيَذْكُرُ هَذَا الْوَجْهُ سُمْرَتَهُ

مَا بَيْنَ مَوْتَيْنِ مَوَّالٌ وَغَانِيَةٌ

أَنَا الْمُرِيدُ الَّذِي تُغْتَالُ سَكْرَتَهُ

أَطُوفُ حَوْلَ سِنِينَ التِّيهِ مُنْتَشِياً

رَثَّ الْفُؤَادِ، كَشَيْخٍ ضَلَّ حَضْرَتَهُ

سَيْنَاءُ يَا فَوْرَةَ التَّنُّورِ فِي حَجَرِي

مِنْ أَلْفِ تِيهٍ بَنَى الطُّوفَانُ غَمْرَتَهُ

مَشْياً عَلَى وَجَعِ الْأَيَّامِ جَاءَ دُجَىً

فَلَمْ يَجِدْ قَبَسُ الْأَحْلَامِ جَمْرَتَهُ

لَا تُنْكِرِي الطِّينَ فِي الصَّلْصَالِ وَانْتَبهِي

قَدْ فَارَقَ الْمَاءُ بَعْدَ الْمَجْدِ جَرَّتَهُ

لَا تُنْكِرِي اللَّيْلَ، بَطْنُ الْحُوتِ سَاطِعَةٌ

فَاسْتَأْذِنِي الْفَجْرَ أَنْ يَقْتَادَ هِجْرَتَهُ

فِي هَدْأَةِ الرُّوحِ قَدْ تَغْفُو مَلَامِحُنَا

وَيَغْمُرُ الْقَلْبُ بِالْآهَاتِ نَضْرَتَهُ

وَيَنْعَسُ الْبَحْرُ فِي أَحْضَانِ دُرَّتِهِ

وَيُسْكُرُ النَّجْمُ بِالذِّكْرَى مَجَرَّتَهُ

خَضْرَاءُ يَا بُرْدَةَ الْأَحْبَابِ فَانْتَظِرِي

فعَتْمةُ اللَّيْلِ تُهْدِي الصُّبْحَ غُرَّتَهُ

هَذَا الْفِرَاقُ وَإِنْ أَخْفَى سَرِيرَتَهُ

قَدْ أَلْبَسَ الْوَجْنَةَ الزَّهْرَاءَ حُمْرَتَهُ

يَا أَيُّهَا الشَّفَقُ الْمَنْسِيُّ فِي أَرَقِي

هَلْ آنَ لِلشِّعْرِ أَنْ يَنْسَى مَعَرَّتَهُ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *