أ.أحمد شميس اليعربي

هذا اللّيل المتدثر بعيون العائدين

أرّق قلوبًا بعيدة لم تذق فيه طعم العودة

ولا عرفتْ لأيِّ بابٍ تُلقي سلامَها المؤجَّل

كأنَّ أنينَه صلاةُ غائبٍ

تعلو من أفواهٍ عطشى إلى الفجر،

تتعثّرُ في الريح،

وتعودُ بظلّها إلى صدورٍ

لم تُشفى من الوداع.

كأنّها تبحثُ عن وطنٍ

تاهَ بينَ أضلاعِ الحنين،

ونسيَ اسمَه على خرائطِ الانتظار.

يمرّ الليلُ الآن متثاقلَ الخطى،

كشيخٍ يجرُّ ذاكرته على أرضٍ بلّلتها الذكريات،

يُنصتُ لخطواتِ الغائبين في المنام،

ويبتسمُ لحُلمٍ يلوّحُ ولا يقترب.

تتدلّى من نجومِه رسائلُ لم تُفتح،

وأسماءٌ تجمّدتْ على ألسنةِ العشّاق،

كأنَّ السماءَ خزانةُ أسرارٍ قديمة،

نسيتْ مفتاحَها على الأرض

ويمتدُّ الليلُ أكثر…

كأنّهُ يُجرّبُ صبرَ العابرين على عتمته،

يُغريهم بوهجِ نجمٍ بعيدٍ

ثم يُخفيه كما يُخفي القلبُ نبضَ الرجاء

في زاويةٍ من الصمت،

تتدلّى أرواحُهم كقناديلَ انطفأتْ قبل الدعاء،

تسألُ الوقتَ عن سببِ تأخّرِه،

وتسألُ اللهَ:

هل للحنينِ موسمُ حصاد؟

أم أنّهُ ظلٌّ لا يزولُ،

يمتدُّ كلّما حاولنا نسيانَه؟

كأنَّ الأرواحَ تُصغي الآنَ لأنفاسِها،

تتحسّسُ ما تبقّى منها بعدَ مرورِ الغياب،

وتسألُ الصمتَ عن معنى البقاءِ بلا صوت

كلُّ شيءٍ في هذا الليلِ

يبدو كأنهُ يفتّشُ عن سببٍ ليظلّ،

حتى الحنينُ يجلسُ على عتبةِ القلبِ

مرهقًا من الانتظار،

يحاولُ أن يُقنعَ نفسَه

بأنّ العودةَ ليست وعدًا،

بل فكرةٌ جميلةٌ تأخّر وقتُها.

وتهمسُ النجومُ كأنها تعرفُ الأسرارَ كلَّها:

ليس كلُّ من ضلّ طريقَه غائبًا،

بعضُهم وجدَ نفسَه في التيه،

فأقامَ هناك… بهدوءٍ يشبه السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *