أ. بشير قوجة
مع كل مرحلة انتقال سياسي وثورة شعبية، يترقب مناضلوها ملامح الدولة التي ناضلوا من أجلها، يترقبون دولة تقوم على العدالة والكفاءة والمحاسبة، وتمنح الفرصة لمن دفعوا ثمن الحرية من دمائهم وأعمارهم ومستقبلهم، غير أن حالة من القلق تتسع اليوم في أوساط كثير من الثوار والناشطين الذين شاركوا في الثورة السورية، مع شعور متزايد بأن بعض مؤسسات الدولة تستوعب شخصيات ارتبطت بنظام الأسد البائد، بينما يبقى عدد كبير من أصحاب الخبرات الذين انحازوا إلى الثورة خارج مواقع المسؤولية.
لا يتركز الجدل اليوم على الموظفين الذين استمروا في أداء أعمالهم الإدارية أو الفنية خلال السنوات الماضية، بل على تعيين أشخاص يُنظر إليهم من قبل منتقدين بوصفهم من أبرز المدافعين عن النظام السابق أو المستفيدين من بنيته السياسية والإدارية.
ويرى هؤلاء المنتقدون أن منح مثل هذه الشخصيات مواقع مؤثرة يرسل رسالة سلبية إلى المجتمع، مفادها أن الانتماء السابق لا يشكل عائقاً، بينما لا تجد التضحيات والكفاءة الثورية التقدير ذاته.
في المقابل.. يشعر كثير من أصحاب الكفاءات الذين انخرطوا في الثورة أو تعرضوا للاعتقال أو التهجير أو فقدوا أعمالهم بسبب مواقفهم السياسية ضد الأسد، بأنهم أصبحوا خارج معادلة بناء الدولة الجديدة، هذا الشعور لا يتعلق بالمناصب وحدها، بقدر ما يتعلق بالإحساس بأن سنوات التضحية لم تتحول إلى فرصة للمشاركة في صناعة المستقبل.
بناء مؤسسات الدولة الجديدة يحتاج إلى خبرات إدارية ومهنية، وهذه حقيقة يصعب إنكارها، لكن الخبرة وحدها لا تكفي إذا غابت عنها معايير النزاهة والثقة العامة. فالدولة الجديدة لا تحتاج فقط إلى موظفين قادرين على إدارة الملفات، تحتاج أيضاً إلى شخصيات تحظى بثقة المجتمع، لأن الثقة هي الركيزة الأولى لاستقرار أي مرحلة انتقالية.
ويتخوف كثير من السوريين من أن يؤدي غياب معايير واضحة وشفافة في التعيينات إلى تراجع الثقة بالمؤسسات العامة، وإلى اتساع الفجوة بين الدولة والبيئة الاجتماعية التي دعمت التغيير وقدمت الكثير في سبيل النصر والتحرير.
كلما شعر المواطن بأن الولاءات القديمة ما زالت تجد طريقها إلى مواقع القرار، ازداد الاعتقاد بأن التغيير اقتصر على الوجوه والعناوين، دون أن يمتد إلى آليات الإدارة والحكم.
لسنا مع الإقصاء الجماعي لأي أحد، كما أنه لا يعني تجاهل الماضي، المطلوب فقط هو التمييز بين من كان موظفًا أدى عمله ضمن مؤسسات الدولة، وبين من ارتبط بانتهاكات أو مارس التحريض أو استغل موقعه لخدمة الاستبداد والتشبيح لصالح نظام الأسد.
كما أن من الضروري وضع معايير معلنة للتعيين تعتمد على الكفاءة والنزاهة والسجل المهني، وتمنح أصحاب الخبرات الذين وقفوا إلى جانب تطلعات السوريين ودفعوا الغالي والرخيص للثورة فرصة عادلة للمساهمة في إعادة بناء وطنهم.
إن نجاح الدولة السورية الجديدة لن يقاس بعدد المؤسسات التي تعيد تشغيلها فحسب، سيقاس أيضاً بقدرتها على ترميم الثقة بين المواطن والدولة. وهذه الثقة لا تُبنى بالوعود فقط وإنما بالشفافية وتكافؤ الفرص، وكلما شعر السوريون بأن التضحيات التي قدموها تجد انعكاساً حقيقياً في إدارة الدولة، ازدادت فرص نجاح المرحلة الانتقالية وترسيخ الاستقرار.

