من سلطة الدولة إلى علاقة الدولة في سيكولوجية المواطن.. وصناعة الثقة.. وإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمؤسّسة..

بقلم ثريا بشماف

من أكثر الأخطاء شيوعاً في التفكير السياسيّ أن ننظر إلى الدولة باعتبارها بناء هرمياً يبدأ من القمة، سلطة تصدر القرار، ومؤسّسات تنفذه، ومجتمع يتلقاه، وكأن إصلاح الدولة يمكن أن يبدأ بمجرد تغيير القوانين، وإعادة تنظيم المؤسسات، واستحداث الهياكل الإدارية، لكن هذا التصور يغفل حقيقة أكثر عمقاً، أن الدولة في جوهرها سلوك بشري منظم داخل إطار مؤسسي..

ولهذا فإن السؤال المهم في بناء الدولة تتشكّل ملامحه أمامنا ضمن هذا النطاق، ما الذي يجعل الإنسان يحترم المؤسسة؟ وما الذي يجعله يثق بها؟ ومتى يرى في القانون حماية له بدل أن يراه قيداً عليه؟

هنا تبدأ السياسة من مكان مختلف تماماً، من فهم بنية ما يعقِله الإنسان، فالإنسان لا يتعامل مع الدولة كفكرة، وإنما يكوّن موقفه منها من خلال تجاربه اليومية، تجربة واحدة مع موظف، أو مؤسسة، أو قانون، قد تكون أكثر تأثيراً في تشكيل صورة الدولة داخل وعيه من عشرات الخطابات السياسية، فإذا وجد العدالة، تشكلت لديه قابلية للثقة، وإذا وجد التمييز، نشأ لديه شعور بأن النظام لا ينتمي إليه، وإذا شعر أن صوته لا قيمة له، بدأ تدريجياً بالانسحاب من المجال العام..

وهذا يقودنا إلى حقيقة نفسية وسياسية مهمة، وهي أن الإنسان يلتزم بالنظام باعتقاده أن النظام شرعي وعادل ويستحق الالتزام قبل التفكير بالعقوبة، والخوف يمكن أن ينتج الامتثال، لكنه لا ينتج بالضرورة المواطنة، أما الثقة فتنتج نوعاً مختلفاً من السلوك، سلوكاً يقوم على الاقتناع الداخلي بأن التعاون مع المؤسسة يخدم مصلحة مشتركة..

ومن هنا تظهر العلاقة العميقة بين السيكولوجيا الفردية وبنية الدولة، فالإنسان الذي عاش طويلاً في بيئة يغيب عنها الشعور بالأمان، قد يصبح أكثر حذراً في علاقاته، وأكثر ميلاً إلى حماية نفسه ومصلحته المباشرة، وأقل استعداداً للمخاطرة من أجل الصالح العام، وإذا تكررت هذه التجربة على مستوى جماعي، فإنها تتحوّل من حالة نفسية فردية إلى نمط اجتماعي..

وهنا يتحول ما يبدو في البداية سلوكاً شخصياً إلى ظاهرة سياسية، فحين يفقد الناس الثقة بالمؤسّسات، قد يلجؤون إلى العلاقات الشخصية بدل القنوات الرسمية، وحين يشعرون أن القانون لا يطبق بالتساوي، يبدأ البحث عن الوساطة، وحين يصبح الوصول إلى الحق مرتبطاً بمعرفة شخص ما، تتراجع قيمة المؤسسة لحساب الشبكة الاجتماعية، ومع الوقت، يصبح الأمر ثقافة سياسية تعيد إنتاج نفسها لا غير ..

وهذا هو السبب في أن بناء الدولة لا يمكن أن يكون عملية تقنية فقط..!

إذ يمكنك أن تضع نظاماً إدارياً متطوراً، ولكن إذا بقي الموظف يرى المواطن بوصفه عبئاً، والمواطن يرى الموظف بوصفه خصماً، فإن التكنولوجيا لن تحل المشكلة الأساسية، ويمكنك أن تضع قانوناً متقدماً، ولكن إذا لم يشعر الناس أن تطبيقه عادل، فسوف تبقى المسافة بين النص والممارسة واسعة..

وبالتالي، فإن المؤسسة الناجحة هي التي تستطيع أن تصنع سلوكاً متوقعاً وعادلاً، فالمواطن يحتاج إلى معرفة ما الذي سيحدث عندما يراجع مؤسسة، وما حقوقه، وما واجباته، وكيف يمكنه الاعتراض، ومن يستطيع مساءلة الموظف أو المسؤول، هذا الوضوح يقلل القلق، ويحدّ من التقدير الشخصي، ويجعل العلاقة بين الفرد والدولة أكثر عقلانية..

ومن المنظور النفسي، يحتاج الإنسان إلى قدر من القدرة على التنبؤ حتى يشعر بالأمان، ولذلك فإن الدولة التي تجعل المواطن غير قادر على توقع القرار أو فهم أسبابه تخلق بيئة من القلق وعدم الثقة، أما الدولة التي تجعل قواعدها واضحة وقابلة للفهم والتطبيق، فإنها تمنح الإنسان شعوراً بأن العالم المؤسسي من حوله قابل للفهم قبل أن تفكّر حقاً في تنظيم سلوكه..

وهنا تلتقي الفلسفة السياسية مع علم النفس الاجتماعي، ففلاسفة العقد الاجتماعي لم يكونوا يناقشون الدولة كهيكل إداريّ وحسب، كانوا يحاولون الإجابة عن سؤال جوهريّ مميّز.. لماذا يقبل الإنسان أن يعيش داخل نظام سياسي؟ وما الذي يجعل السلطة مشروعة في نظره؟

ومن هنا فإن إعادة بناء الدولة السورية، يحتاج إلى العملية ذات المعنى الأعمق، عملية لإعادة بناء العلاقة النفسية والاجتماعية بين المواطن والدولة، دون أن تختزل في إعادة ترتيب المكاتب والمؤسسات..

وهذه العلاقة تحتاج إلى وقت، لأن الثقة لا تُصدر بقرار، ولا تُكتب في قانون، ولا تُعلن في خطاب، الثقة تراكم، وكل تجربة عادلة تضيف إليها، وكل تجربة مهينة تهدم جزءاً منها..

ولهذا ينبغي أن يبدأ الإصلاح من التفاصيل التي تبدو صغيرة، أن يحصل المواطن على معلومة واضحة، وأن يعرف أين يراجع، وأن يجد موظفاً يحترم وقته، وأن يطبق القانون عليه وعلى غيره بالمعيار نفسه، وأن يرى أن صوته يمكن أن يحدث أثراً..

هذه التفاصيل الصغيرة هي في الحقيقة البنية التحتية النفسية للدولة، فالمجتمع يصبح متماسكاً لأنه يمتلك قواعد تسمح للأفراد بالاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع وجودي، والدولة القوية هي التي تستطيع إدارة وتحويل هذا الاختلاف من مصدر للانقسام إلى مصدر للتنوع والإبداع..

ومن هنا أيضاً تأتي أهمية الشباب، فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية ينبغي تنظيم أنشطتها، فهم المرحلة التي تتشكل فيها علاقة الإنسان الأولى بالمجال العام هل يشعر أنه قادر على التأثير؟ هل يستطيع أن يقترح؟ هل يملك مساحة للتجربة؟ هل يُسمح له بالخطأ والتعلم؟ أم يتعلم منذ البداية أن القرار دائماً يأتي من الأعلى وأن دوره يقتصر على التنفيذ؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة اليوم ستحدد شكل الدولة غداً…

فالشاب الذي يتعلم المشاركة في مدرسته وجامعته ومجتمعه المحلي، سيحمل معه مفهوماً مختلفاً للمواطنة عندما يدخل المؤسسة، والذي يتعلم الحوار بدل التخوين، سيصبح أكثر قدرة على إدارة الاختلاف السياسي، والذي يتعلم المسؤولية بدل انتظار الأوامر، سيكون أكثر استعداداً للمبادرة العامة..

وهكذا نعود إلى الفكرة الأساسية، الدولة لا تُبنى من أعلى الهرم فقط، لأن الهرم نفسه لا يمكن أن يستقر دون قاعدة بشرية قادرة على حمله..

نهايةً، إنّ إصلاح المؤسسات ضرورة، وإصلاح القوانين ضرورة، وتطوير الإدارة ضرورة، لكن كل ذلك يبقى ناقصاً إذا لم يتغير الإنسان الذي يتعامل مع هذه المؤسسات ويصنعها ويديرها، فالدولة في النهاية ليست شيئاً منفصلاً عن المجتمع، فهي تشكّل الصورة المؤسسية لعلاقاته وقيمه ودرجة نضجه وقدرته على تنظيم اختلافاته..

وعندما يصل الإنسان إلى هذه القناعة، تصبح السلطة مشروعاً مشتركاً مع الإنسان، وهنا تحديداً تبدأ الدولة الحقيقية، حين يتحول المواطن من متلقٍ للدولة إلى هذا الشريك البنّاء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *