أسامة حجاج
فنان وباحث في الثقافة البصرية والسمعية
هناك فنون نذهب إليها بحثًا عن الجمال، وفنون تأتي إلينا محمّلة بحكاية لا نستطيع تجاهلها.
وحين ننظر إلى أعمال سليمان منصور، يصعب أن نتعامل معها باعتبارها لوحات معلّقة على جدران المعارض. ثمة شيء آخر يحدث أمام العين، كأننا لا نشاهد صورة لفلسطين، وإنما نستعيد شيئًا منها.
في الرابع والعشرين من أغسطس 2026، غاب سليمان منصور عن المشهد، لكن أعماله بقيت في المكان الذي اختار لها منذ البداية، في ذاكرة الناس.
ولد منصور في بيرزيت عام 1947، وعاش أكثر من خمسة عقود وهو يطوّر لغة بصرية خاصة به. الأرض والقدس والزيتون والقرية والثوب والمرأة والوجوه والتفاصيل اليومية، كلها دخلت عالمه التشكيلي لتصبح عناصر في حكاية أكبر عن الإنسان والمكان والانتماء.
لكن المفارقة أن أشهر أعماله كادت تحجب بقية تجربته.
“جمل المحامل” ليست مجرد لوحة شهيرة، وإنما حالة ثقافية كاملة. منذ ظهورها في سبعينيات القرن الماضي أخذت طريقها بعيدًا عن صالات الفن حتى أصبحت صورة مألوفة في الوجدان الفلسطيني والعربي…
رجل يحمل القدس فوق ظهره…
كلما تأملنا هذه الصورة اكتشفنا أنها لا تتحدث عن مدينة فحسب. إنها تتحدث عن الإنسان حين يتحول المكان إلى مسؤولية وعن الوطن حين يصبح شيئًا لا يمكن وضعه خلفنا والمضي بدونه
ولعل هذا ما جعل اللوحة قادرة على عبور الحدود…
بالنسبة إلى الفلسطيني الذي يعيش بعيدًا عن بلاده قد لا تكون «جمل المحامل» مجرد عمل فني. قد تكون نافذة إلى بيت لم يعد قريبًا أو إلى مدينة لم يعد الوصول إليها أمرًا عاديًا أو إلى ذاكرة عائلية تنتقل من جيل إلى جيل…
وهنا تحديدًا تتجاوز تجربة منصور حدود الجغرافيا
فالفن الذي يصنعه الفنان في وطنه قد يجد بعد سنوات حياة أخرى في المنافي والمدن البعيدة. وفي كندا وأوروبا وأميركا وفي كل مكان حمل إليه الفلسطيني حقائبه وذكرياته يمكن لصورة واحدة أن تؤدي وظيفة لا تؤديها الخطب الطويلة. أن تقول للجيل الجديد: هذه هي الصورة التي عرف بها آباؤكم وطنهم..
كان منصور يدرك أن الهوية لا تعيش في الكتب وحدها. إنها تسكن أيضًا في الأشياء التي نراها ونلمسها ونتذكرها…
ولهذا لم تكن شجرة الزيتون في أعماله مجرد شجرة ولم يكن الثوب الفلسطيني مجرد قطعة قماش ولم تكن القرية مجرد بيوت متجاورة. كان يمنح هذه التفاصيل قدرتها على الكلام
وربما لهذا السبب يصعب وضعه في خانة الفنان السياسي فقط. فقد كان فنانًا يرى السياسة في تفاصيل الحياة ويرى التاريخ في ملامح الإنسان ويرى الهوية في شيء بسيط قد يمر أمامنا دون أن ننتبه إليه…
كانت تجربته تقول إن الدفاع عن الذاكرة لا يكون دائمًا بالصوت المرتفع
أحيانًا تكفي لوحة…
وأحيانًا تكفي شجرة زيتون مرسومة بعناية…
وأحيانًا يكفي رجل يمشي مثقلًا بمدينة على ظهره…
رحل سليمان منصور لكن رحيله كشف شيئًا ربما لم ننتبه إليه بما يكفي. أن الفنان حين ينجح في تحويل تجربته إلى ذاكرة جماعية يصبح موته بداية حياة أخرى لأعماله.
ستنتقل لوحاته إلى أجيال لم تلتقه وسيشاهدها أبناء الفلسطينيين الذين ولدوا بعيدًا عن بيرزيت والقدس وربما يسأل طفل في تورونتو أو مونتريال ذات يوم: من هذا الرجل الذي يحمل مدينة على ظهره؟
وحين يأتيه الجواب تكون اللوحة قد أدت مهمتها من جديد…
هكذا لا يعود الفن مجرد ماضٍ محفوظ بل يصبح وسيلة لأن يتعرف الأبناء إلى شيء لم يعيشوه بأنفسهم…
وهذه ربما هي إحدى أعظم وظائف الفن: أن يجعل الغائب حاضرًا وأن يمنح الذاكرة شكلًا تستطيع الأجيال أن تراه…
لم يترك سليمان منصور خلفه لوحات فقط…
ترك طريقة في النظر إلى فلسطين…
وترك صورًا تقول إن الوطن قد يبتعد عن العين لكنه يستطيع أن يبقى قريبًا من القلب وأن يحمل الإنسان وطنه معه مهما اتسعت المسافة.
لذلك ربما لا تكون الصورة الأدق لرحيل سليمان منصور هي أن فنانًا غادرنا
الأدق أن نقول: غادر الفنان وبقيت اللوحة تحمل ما لم يعد يستطيع حمله وحده.
