هاني شنودة… الموسيقار الذي سبق زمنه

قراءة في مشروع موسيقي غيّر وجه الأغنية المصرية والسينما

أ. أسامة حجاج

لا تُقاس قيمة الموسيقار بعدد الألحان التي يكتبها، بل بقدرته على تغيير طريقة التفكير في الموسيقى. وهناك قلة قليلة من الفنانين استطاعوا أن يحدثوا هذا التحول، وكان هاني شنودة واحدًا منهم. فلم يكن مجرد ملحن أو موزع موسيقي، بل صاحب مشروع فني أسهم في نقل الأغنية المصرية إلى مرحلة جديدة، وجعل التوزيع الموسيقي عنصرًا إبداعيًا لا يقل أهمية عن اللحن والكلمة.

في سبعينيات القرن الماضي، كانت الأغنية المصرية تمتلك تاريخًا ثريًا وأسماءً كبيرة، لكنها كانت بحاجة إلى لغة موسيقية تستوعب تحولات العصر. أدرك هاني شنودة أن التجديد لا يتحقق بقطع الصلة مع التراث، وإنما بإعادة تقديمه بروح معاصرة. لذلك مزج بين الآلات الشرقية والغربية، واستفاد من الهارموني والإيقاعات الحديثة، مع الحفاظ على الهوية المصرية التي بقيت حاضرة في ألحانه.

وتُعد تجربة فرقة المصريين أبرز تجليات هذا المشروع. فقد جاءت الفرقة لتقدم شكلًا جديدًا للأغنية العربية، يعتمد على الأداء الجماعي، وتوزيع الأصوات، والهارموني، والإيقاع الحيوي. لم تكن البطولة فيها للمطرب وحده، بل للموسيقى أيضًا. وفي أعمال مثل «ماشية السنيورة» و«بنات كتير» و«لو كان بايدي»، تظهر قدرة هاني شنودة على تقديم أغانٍ بسيطة في ظاهرها، لكنها متقنة البناء، تعتمد على جمل لحنية قصيرة وإيقاعات نابضة تجعلها قريبة من المستمع وقادرة على البقاء في الذاكرة.

ولم يتوقف تأثيره عند حدود الفرقة، بل امتد إلى اكتشاف وتقديم أصوات جديدة، والإسهام في تشكيل شخصياتها الموسيقية. فقد آمن بأن الفنان ليس مجرد صوت جميل، وإنما مشروع فني يحتاج إلى رؤية. لذلك كان حضوره مؤثرًا في بدايات عدد من المطربين الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز نجوم الغناء العربي، وفي مقدمتهم محمد منير وعمرو دياب، حيث أسهمت رؤيته الموسيقية في إبراز خصوصية أصواتهم وتقديمها بصورة مختلفة.

أما في الموسيقى التصويرية، فقد كشف هاني شنودة عن وجه آخر من موهبته. لم يتعامل مع موسيقى الأفلام بوصفها خلفية للمشهد، بل باعتبارها جزءًا من السرد الدرامي. كانت الجملة الموسيقية عنده ترسم الحالة النفسية للشخصية، وتمنح المشهد إيقاعه الداخلي، وتشارك في بناء المعنى. لذلك جاءت موسيقاه في العديد من الأفلام حاضرة بوصفها عنصرًا دراميًا لا يقل أهمية عن الصورة أو الحوار.

ومن يتأمل أسلوبه يلاحظ أنه كان يميل إلى الاقتصاد في الجملة الموسيقية، والابتعاد عن الزخرفة غير الضرورية، مع منح كل آلة دورًا واضحًا داخل البناء العام. كما استطاع أن يحقق توازنًا نادرًا بين البساطة والعمق؛ فموسيقاه سهلة الوصول إلى المستمع، لكنها تحمل في الوقت نفسه بناءً فنيًا محكمًا يكشف عن ثقافة موسيقية واسعة ورؤية واعية.

ولم يكن هاني شنودة في منافسة مع أبناء جيله من الموسيقيين الكبار، بل كان صاحب مسار مختلف. فإذا كان بليغ حمدي قد منح الأغنية الشعبية أفقًا جديدًا، وعمار الشريعي قدّم تجربة ثرية في الموسيقى الدرامية، وعمر خيرت رسّخ حضور الأوركسترا في الوجدان العربي، فإن هاني شنودة انشغل بتحديث الصوت المصري، وإعادة تعريف دور التوزيع الموسيقي، وإدخال مفاهيم جديدة في صناعة الأغنية دون أن يفقدها هويتها.

إن الإرث الحقيقي لهاني شنودة لا يتمثل في عدد الأغنيات أو الأفلام التي حملت توقيعه، بل في الأثر الذي تركه في الوعي الموسيقي لجيل كامل. فقد رسّخ مكانة التوزيع الموسيقي بوصفه فنًا قائمًا بذاته، وفتح الباب أمام تجارب جديدة، وأثبت أن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل لغة قادرة على التعبير عن روح العصر.

لهذا سيبقى هاني شنودة واحدًا من أبرز المجددين في تاريخ الموسيقى العربية؛ لأنه لم يكتفِ بتقديم أعمال ناجحة، بل أسهم في تغيير الطريقة التي نسمع بها الموسيقى، ونفكر بها، ونمنحها مكانتها بوصفها فنًا يصنع الوجدان ويواكب الزمن.

إذا كان هاني شنودة قد توقّف عن العطاء برحيله، فإن موسيقاه لم تتوقف. فما تركه من ألحان وتوزيعات وتجارب فنية سيظل حاضرًا، يتجدد مع كل استماع، ويُلهم أجيالًا جديدة من الموسيقيين والباحثين والمستمعين. فالأعمال العظيمة لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تبدأ حياتها الحقيقية في ذاكرة الناس، حيث يبقى الفن الصادق شاهدًا على أن الإبداع أقدر من الزمن على مقاومأرة الغياب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *