يوسف عبيد – باحث ماجستير في العلاقات الدولية
أصبحت العقوبات الدولية خلال العقود الأخيرة إحدى الأدوات المستخدمة في إدارة الأزمات الدولية والتأثير في سلوك الدول المستهدفة، ولا سيما عندما لا يكون التدخل العسكري خياراً مناسباً أو مرغوباً. وقد أدى تنامي الترابط الاقتصادي والمالي بين الدول إلى توسيع نطاق آثار هذه العقوبات، بحيث لم تعد تقتصر على المجال السياسي، وإنما يمكن أن تمتد إلى التجارة والاستثمار والتحويلات المالية والعلاقات الاقتصادية والمؤسساتية.
وتبرز سورية حالة مهمة في هذا السياق، إذ لم تبدأ القيود المفروضة عليها مع اندلاع النزاع عام 2011، وإنما سبقتها تدابير أمريكية في سياقات سياسية وأمنية مختلفة. غير أن عام 2011 شكّل نقطة تحول أساسية في مسار العقوبات، مع توسعها لتشمل أفراداً وكيانات ومؤسسات وقطاعات اقتصادية ومالية، وتعدد الجهات التي اتخذتها والأسس التي استندت إليها.
وقد أعادت التحولات السياسية التي شهدتها سورية منذ نهاية عام 2024 طرح ملف العقوبات من زاوية مختلفة. فلم يعد النقاش متعلقاً فقط بأسباب فرضها وآثارها، وإنما أصبح يتصل أيضاً بأهمية رفعها، والآليات القانونية والسياسية اللازمة لإنهائها، ثم بالظروف التي قد تساعد على الحد من احتمالات عودتها. ومن هذا المنطلق، يتناول المقال تطور العقوبات المفروضة على سورية، ومبررات توسعها وآثارها، ثم يناقش مسار رفعها ومتطلبات استدامة هذا الرفع.
الوصول إلى منظومة العقوبات بعد عام 2011
لا يمكن فهم العقوبات المفروضة على سورية باعتبارها نتيجة مباشرة للنزاع الذي بدأ عام 2011 فقط. فقد اتخذت الولايات المتحدة، قبل ذلك التاريخ، مجموعة من التدابير الاقتصادية والسياسية بحق سورية في سياقات ارتبطت بمواقفها من قضايا إقليمية وأمنية وسياسية مختلفة. وكانت هذه الإجراءات، من حيث نطاقها وأهدافها، أضيق من المنظومة التي تشكلت لاحقاً.
ومع اندلاع الاحتجاجات في آذار 2011 وتصاعد المواجهة بين الحكومة والمعارضة، بدأ مسار جديد للعقوبات. فقد فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تدابير استهدفت الحكومة السورية وشخصيات ومؤسسات مرتبطة بها، ثم توسعت هذه التدابير تدريجياً مع استمرار النزاع وتغير طبيعته. وشملت تجميد الأصول، وحظر السفر، وقيوداً على التجارة والاستثمار والتعاملات المالية، إلى جانب إدراج أفراد وكيانات على قوائم العقوبات.
ولم يكن هذا التوسع ثابتاً خلال السنوات اللاحقة، بل اتخذ طابعاً تراكمياً ارتبط بتطور النزاع والوقائع التي اعتبرتها الجهات الفارضة مبررات لاتخاذ تدابير إضافية. ومن أبرز هذه المبررات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، واستخدام القوة ضد المدنيين، وملف الأسلحة الكيميائية، إضافة إلى استهداف أفراد وكيانات اعتُبرت مسؤولة عن ممارسات أو سياسات محددة أو داعمة لها.
ومن المحطات المهمة في هذا المسار اعتماد الولايات المتحدة قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين عام 2019 ودخوله حيز التنفيذ عام 2020. وقد أدى هذا الإطار إلى توسيع المخاطر بالنسبة إلى جهات تتعامل اقتصادياً أو مالياً مع الحكومة السورية أو قطاعات وجهات مرتبطة بها، بما جعل بعض آثار العقوبات تتجاوز نطاق الأشخاص والكيانات المدرجة مباشرة على القوائم.
وبذلك، فإن العقوبات المفروضة على سورية لم تكن نتاج قرار واحد صدر عام 2011، وإنما منظومة تكونت تدريجياً عبر مراحل مختلفة، وتعددت مصادرها وأهدافها وآليات تنفيذها. وهذه الطبيعة التراكمية تفسر جانباً من التعقيد الذي يحيط بعملية رفع العقوبات، إذ إن إنهاء تدبير معين لا يعني بالضرورة إنهاء جميع التدابير التي صدرت في مراحل أو بموجب أسس قانونية مختلفة.
طبيعة العقوبات ومصادرها ومبررات توسيعها
يُقصد بالعقوبات الدولية في هذا السياق مجموعة التدابير التي تتخذها دولة بصورة منفردة، أو مجموعة من الدول، أو منظمة دولية، بهدف ممارسة الضغط على دولة أو فرد أو كيان معين للتأثير في سلوكه أو دفعه إلى الاستجابة لمطالب أو التزامات محددة. وتتعدد صور هذه التدابير بحسب طبيعتها والجهة التي تفرضها، فقد تكون اقتصادية أو مالية، مثل تجميد الأصول وفرض القيود على التجارة والاستثمار والتعاملات المالية، أو موجهة إلى أفراد وكيانات محددة، كما قد تتخذ أشكالاً دبلوماسية أو سياسية.
وفي الحالة السورية، كان الجزء الأكبر من منظومة العقوبات الاقتصادية المؤثرة في الدولة والاقتصاد السوري أمريكياً وأوروبياً، إلى جانب تدابير اتخذتها دول أخرى بصورة منفردة. وتختلف العقوبات الأمريكية عن الأوروبية من حيث مصدرها القانوني وآليات اتخاذها وتنفيذها؛ فالعقوبات الأمريكية تستند إلى تشريعات وأوامر تنفيذية وأنظمة تصدر ضمن النظام القانوني الأمريكي، في حين تستند العقوبات الأوروبية إلى القرارات واللوائح المعتمدة ضمن الإطار القانوني للاتحاد الأوروبي.
ويختلف هذا المسار عن العقوبات التي يعتمدها مجلس الأمن في إطار صلاحياته بموجب ميثاق الأمم المتحدة. فعندما يتخذ المجلس تدابير بموجب الفصل السابع، فإنها تستند إلى اختصاصه في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين، ويكون تعديلها أو إنهاؤها مرتبطاً بالآليات الخاصة بالمجلس. أما التدابير التي تتخذها دولة بصورة منفردة، فتملك الدولة المعنية، من حيث الأصل، صلاحية تعديلها أو إلغائها وفقاً لنظامها القانوني.
وتبرز أهمية هذا التفريق لأن الحديث عن “رفع العقوبات عن سورية” قد يوحي بوجود منظومة واحدة يمكن إنهاؤها بقرار واحد، في حين أن الواقع أكثر تعقيداً. فكل تدبير يرتبط بمصدره والأساس القانوني الذي يستند إليه والأشخاص أو القطاعات التي يستهدفها. كما أن التدابير الأممية ذات الصلة بسورية لم تتخذ الشكل نفسه الذي اتخذته العقوبات الأمريكية والأوروبية الواسعة، إذ ارتبط جزء مهم منها بأنظمة العقوبات الخاصة بالإرهاب، ولا سيما تلك المتعلقة بداعش والقاعدة والأفراد والكيانات المرتبطة بهما.
أما من حيث مبررات الفرض والتوسع بعد عام 2011، فقد استندت الجهات الفارضة إلى مجموعة من الأسباب المعلنة، من بينها الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، واستخدام القوة ضد المدنيين، وملف الأسلحة الكيميائية، وتعطيل مسارات التسوية السياسية، إضافة إلى استهداف أفراد وكيانات اعتُبرت مسؤولة عن هذه السياسات أو داعمة لها.
غير أن التمييز هنا بين السياق السياسي والمبرر المعلن والأساس القانوني للعقوبات يظل ضرورياً. فالنزاع الداخلي يمثل سياقاً عاماً لفهم تطور العقوبات، لكنه لا يفسر بمفرده أسباب اتخاذ كل تدبير أو توسيعه. كما أن المبررات السياسية التي تعلنها الجهات الفارضة لا تتطابق بالضرورة مع الأساس القانوني الذي يسمح لها باتخاذ العقوبة. ولذلك، فإن تحليل الحالة السورية يتطلب النظر إلى هذه المستويات باعتبارها مترابطة، ولكن غير متطابقة.
كذلك، لا يبدو من الدقيق افتراض أن للعقوبات هدفاً واحداً وثابتاً طوال فترة فرضها. فقد يكون الضغط من أجل تعديل سلوك معين هدفاً رئيساً في مرحلة ما، بينما تتداخل معه في مراحل أخرى اعتبارات تتعلق بالمساءلة أو التفاوض أو منع تمويل جهات معينة. وربما يتحول استمرار العقوبات في بعض الظروف إلى جزء من استراتيجية الضغط نفسها، حتى عندما لا يتحقق تعديل السلوك بالصورة المتوقعة. ومن ثم، تبدو أهداف العقوبات أقرب إلى كونها قابلة للتغير تبعاً للسياق السياسي، بدلاً من افتراض غاية واحدة ثابتة.
آثار العقوبات وتداخلها مع آثار النزاع
بعد أكثر من عقد على بدء التوسع الكبير في العقوبات، أصبحت هذه التدابير جزءاً من البيئة الاقتصادية والسياسية التي عملت فيها المؤسسات والشركات والأفراد السوريون. ومع ذلك، فإن تحديد أثر العقوبات بصورة دقيقة يظل مسألة معقدة، لأن هذه الآثار تزامنت مع نزاع مسلح طويل أحدث تحولات عميقة في الاقتصاد والمجتمع ومؤسسات الدولة.
اقتصادياً، ساهمت القيود المفروضة على التجارة والاستثمار والتعاملات المالية في تضييق بعض قنوات الاتصال بين الاقتصاد السوري والأسواق الخارجية. كما أن العقوبات التي استهدفت قطاعات محددة، ومنها قطاع النفط، زادت الضغوط على مصادر الإيرادات والعملة الأجنبية، في حين واجهت المؤسسات السورية صعوبات إضافية في إجراء بعض المعاملات والتحويلات المالية الدولية.
ولا يقتصر أثر العقوبات بالضرورة على الجهات المدرجة مباشرة في القوائم. فقد تتجنب المؤسسات المالية والشركات الأجنبية التعامل مع جهات سورية غير مدرجة بصورة مباشرة بسبب مخاطر الامتثال أو احتمال التعرض لعقوبات ثانوية أو تكاليف قانونية ومالية مرتفعة. ومن هنا يمكن أن يمتد الأثر العملي للعقوبات إلى نطاق أوسع من نطاقها القانوني المباشر.
أما اجتماعياً، فقد ترافقت الأزمة الاقتصادية مع ارتفاع مستويات الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية وصعوبات الوصول إلى بعض السلع والخدمات. غير أن تفسير هذه النتائج بالعقوبات وحدها لا يبدو كافياً. فقد شهدت سورية في الفترة نفسها دماراً واسعاً للبنية التحتية، وتراجعاً في الإنتاج الزراعي والصناعي، ونزوحاً واسعاً، وانقساماً في الأسواق، وتراجعاً في التجارة الخارجية، إضافة إلى تعدد القوى المسيطرة على مناطق مختلفة من البلاد.
ومن ثم، فإن العلاقة بين العقوبات والتدهور الاقتصادي والاجتماعي ليست علاقة سببية بسيطة. فقد مثلت العقوبات أحد مصادر الضغط، لكنها عملت داخل بيئة كانت تعاني أصلاً من آثار الحرب والانقسام وتراجع مؤسسات الدولة. وقد يؤدي هذا التفاعل إلى تضخيم أثر كل عامل من العوامل الأخرى، بما يجعل الفصل الكامل بين آثار العقوبات وآثار النزاع أمراً شديد الصعوبة.
وينطبق ذلك أيضاً على المؤسسات العامة. فقد أدت صعوبة الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا وبعض الخدمات الدولية إلى تحديات إضافية أمام مؤسسات كانت تعمل أصلاً في ظروف استثنائية. كما أدى تراجع الموارد واتساع الاعتماد على الدعم الخارجي إلى التأثير في قدرة الدولة على إدارة بعض وظائفها الاقتصادية والخدمية بصورة مستقلة.
وبذلك، فإن أهمية دراسة آثار العقوبات لا تقتصر على قياس الخسائر الاقتصادية، وإنما تمتد إلى بحث انعكاساتها المحتملة على قدرة المؤسسات العامة وعلى العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع. وفي الحالة السورية، لا يمكن فهم هذه الآثار بصورة كافية إلا ضمن تفاعلها مع النزاع الداخلي وتعدد الفاعلين الخارجيين وتراجع القدرات المؤسساتية.
أهمية رفع العقوبات في المرحلة الراهنة
أعادت التحولات السياسية التي شهدتها سورية منذ نهاية عام 2024 ترتيب الأولويات المتعلقة بالعقوبات. فقد فرض جزء كبير من هذه التدابير في سياق سياسي ارتبط بالحكومة السورية السابقة وبسياساتها وممارساتها، ومع تغير السلطة ودخول البلاد مرحلة انتقالية أصبح من الطبيعي إعادة تقييم مدى استمرار ملاءمة بعض التدابير التي صممت في سياق سياسي مختلف.
وتتصل أهمية رفع العقوبات، أولاً، بالوضع الاقتصادي. فسورية في مرحلة ما بعد النزاع تحتاج إلى إعادة تأهيل البنية التحتية، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، وجذب الاستثمارات، واستعادة العلاقات التجارية والمالية. ويمكن لاستمرار بعض القيود الاقتصادية والمالية أن يحد من قدرة الدولة والقطاع الخاص على الوصول إلى الموارد الخارجية اللازمة لهذه العمليات.
كما يمكن أن يساهم رفع العقوبات في إعادة إدماج سورية في الاقتصاد الإقليمي والدولي. فالتعافي الاقتصادي لا يعتمد على الموارد المحلية وحدها، وإنما يحتاج أيضاً إلى التجارة والاستثمار والتحويلات والتكنولوجيا والخدمات المالية. ومن ثم، فإن إزالة بعض القيود قد تفتح مجالاً أوسع لهذه العمليات، وإن كانت لا تكفي وحدها لضمان نجاحها.
وتبرز أهمية الرفع كذلك على المستوى السياسي. فقد يمثل إعادة النظر في العقوبات مؤشراً إلى تغير تقييم الدول الفارضة للسلطة الجديدة وللسياق السياسي السوري، وانتقالاً تدريجياً من سياسة الضغط والعزلة إلى قدر أكبر من الانخراط والتعامل. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن جميع أسباب العقوبات السابقة قد زالت، ولا سيما تلك المرتبطة بأشخاص أو كيانات أو وقائع محددة.
كما أن رفع العقوبات لا يعني اختفاء آثارها بصورة فورية. فقد يستمر القطاع المالي الدولي في التعامل بحذر مع سورية، وقد تحتاج الشركات والمؤسسات إلى وقت لإعادة بناء الثقة والعلاقات التجارية. لذلك، فإن أهمية رفع العقوبات لا تنبع فقط من إزالة القيود القانونية، وإنما من إمكانية فتح مساحة أوسع أمام التعافي الاقتصادي وإعادة بناء المؤسسات والعلاقات الخارجية.
رفع العقوبات: بين القرار السياسي والإجراء القانوني
لا يمثل رفع العقوبات، في جميع الحالات، مجرد إعلان سياسي ينهي القيود بصورة فورية. فالقرار السياسي قد يكون ضرورياً لبدء عملية الرفع، لكنه يحتاج في كثير من الحالات إلى إجراءات قانونية وتنظيمية تختلف باختلاف الجهة التي فرضت العقوبة والأساس القانوني الذي تستند إليه.
وقد ظهر ذلك في المسار الأمريكي، حيث أدى التحول في السياسة تجاه سورية إلى اتخاذ إجراءات تنفيذية وقانونية أفضت إلى إنهاء البرنامج الرئيس للعقوبات الشاملة، مع بقاء تدابير موجهة ضد أشخاص وكيانات محددة تستند إلى سلطات قانونية أخرى. وهذا يوضح أن إنهاء برنامج واسع للعقوبات لا يعني بالضرورة إزالة جميع الأسماء أو التدابير المرتبطة بالدولة المستهدفة.
وينطبق الأمر نفسه، وإن بآليات مختلفة، على الاتحاد الأوروبي، حيث تتطلب التغييرات في منظومة العقوبات الانتقال من القرار السياسي إلى اعتماد الإجراءات القانونية اللازمة لتعديل أو إلغاء التدابير القائمة. وقد يؤدي ذلك إلى إزالة بعض القيود الاقتصادية مع استمرار تدابير موجهة ترتبط بأشخاص أو ملفات محددة.
أما على المستوى الأممي، فتختلف الآلية بصورة جوهرية؛ إذ لا تستطيع دولة بمفردها إلغاء العقوبات التي اعتمدها مجلس الأمن، وإنما يتم تعديلها أو إنهاؤها ضمن الآليات الخاصة بالمجلس. وهذا يجعل رفع العقوبات في الحالة السورية عملية متعددة المسارات، لا يمكن اختزالها في قرار سياسي واحد.
ومن ثم، فإن تقييم عملية رفع العقوبات يتطلب تحديد مصدر كل تدبير، والأساس القانوني له، والجهة التي تملك صلاحية تعديله أو إلغائه، وما إن كان شاملاً أم موجهاً. وهذا التفريق ضروري لتجنب الخلط بين رفع العقوبات بوصفه قراراً سياسياً وبين تنفيذه بوصفه عملية قانونية وتنظيمية.
متطلبات منع عودة العقوبات
إن كان رفع العقوبات نتيجة لتحول سياسي وإجراءات قانونية، فإن منع عودتها يتطلب النظر في الظروف التي يمكن أن تؤدي مستقبلاً إلى ظهور أسباب جديدة للضغط الدولي. ولا يعني ذلك أن الإصلاح الداخلي يستطيع وحده التحكم في قرارات الدول الأخرى، إذ تظل العقوبات مرتبطة أيضاً بالمصالح والحسابات السياسية للدول الفارضة وبالتحولات في البيئة الدولية. غير أن معالجة بعض العوامل الداخلية قد تقلل من احتمالات اللجوء إليها.
وتأتي في مقدمة هذه العوامل عملية بناء مؤسسات دولة أكثر فاعلية وقدرة على العمل وفق قواعد واضحة. فتعزيز سيادة القانون، وتفعيل الرقابة والمساءلة، واحترام الحقوق والحريات، يمكن أن يسهم في بناء الثقة داخلياً وخارجياً، كما قد يحد من بعض الظروف التي ارتبطت بالعقوبات السابقة.
وتكتسب العدالة الانتقالية أهمية خاصة في هذا السياق. فمعالجة الانتهاكات التي وقعت خلال سنوات النزاع، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين وفق إجراءات عادلة، وجبر الضرر، يمكن أن تشكل عناصر أساسية في إعادة بناء الدولة والمجتمع. ولا ينبغي النظر إلى هذه المسارات باعتبارها استجابة للضغوط الخارجية فقط، وإنما باعتبارها جزءاً من معالجة إرث النزاع وبناء شرعية مؤسساتية جديدة.
اقتصادياً، ستحتاج سورية إلى بناء نظام مالي أكثر شفافية وقدرة على الامتثال للمعايير الدولية. فرفع العقوبات لا يعني بالضرورة عودة المؤسسات المالية الدولية إلى التعامل مع سورية بصورة تلقائية. وقد يتطلب استعادة الثقة تطوير أنظمة الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز الشفافية المالية، وتوفير بيئة قانونية مستقرة للاستثمار.
وعلى المستوى الخارجي، يمكن لتنويع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية أن يزيد هامش الحركة ويحد من مخاطر الاعتماد المفرط على طرف واحد. كما أن الالتزام بالاتفاقيات والمواثيق الدولية واستخدام الوسائل الدبلوماسية في إدارة الخلافات قد يساعد في تقليل احتمالات نشوء أزمات جديدة يمكن أن تتحول إلى مبررات للضغط الدولي.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من تحويل منع العقوبات إلى غاية تطغى على السياسة العامة للدولة. فالهدف الأوسع ليس مجرد تجنب العقوبات، وإنما بناء دولة قادرة على حماية حقوق مواطنيها، وإدارة مواردها ومؤسساتها بكفاءة، والحفاظ على علاقات خارجية مستقرة. وفي هذه الحالة، يصبح عدم عودة العقوبات نتيجة محتملة لمسار إصلاحي أوسع، وليس غاية منفصلة عنه.
كما أن قدرة سورية على منع عودة العقوبات ستتحدد جزئياً بعوامل تقع خارج نطاق سيطرتها، مثل تغير الحكومات في الدول الفارضة، وتحول أولوياتها الاستراتيجية، والتنافس الدولي والإقليمي. ولذلك، لا يمكن تقديم الإصلاح الداخلي بوصفه ضمانة مطلقة لعدم عودة العقوبات، وإنما بوصفه أحد العوامل التي قد تقلل من احتمالات استخدامها مجدداً.
وفي ضوء ذلك، تبدو استدامة رفع العقوبات مرتبطة بتفاعل عاملين رئيسين: استمرار التحول في السياسة الدولية تجاه سورية، وقدرة الدولة السورية على تثبيت هذا التحول من خلال إصلاحات داخلية ملموسة. فإن بقي التحول السياسي منفصلاً عن التغيير المؤسساتي، فقد تستمر بعض أسباب الضغط الخارجي. أما إن ترافق مع بناء مؤسسات أكثر فاعلية، وتعزيز سيادة القانون، وتحسين البيئة الاقتصادية والعلاقات الخارجية، فقد تتراجع احتمالات العودة إلى سياسة العقوبات.
ختاماً، تكشف التجربة السورية أن العقوبات الدولية ليست ظاهرة بدأت عام 2011 وانتهت بتغير الظروف السياسية، وإنما هي مسار تراكمي تعددت خلاله التدابير والجهات الفارضة والأسس القانونية والأهداف السياسية. وقد شكل عام 2011 نقطة تحول أساسية في هذا المسار، أدت إلى توسع العقوبات لتشمل ملفات وقطاعات وأشخاصاً وكيانات متعددة.
كما أن آثار العقوبات لا يمكن فصلها عن آثار النزاع. فقد تعرض الاقتصاد السوري والمجتمع ومؤسسات الدولة خلال الفترة نفسها لصدمات عميقة نتيجة الحرب والدمار والنزوح والانقسام وتراجع الإنتاج. ولذلك، فإن نسبة جميع النتائج الاقتصادية والاجتماعية إلى العقوبات وحدها لا تبدو مقاربة دقيقة، كما أن تجاهل أثرها سيكون غير دقيق أيضاً. والأقرب إلى التفسير المتوازن هو النظر إلى العقوبات والنزاع والضعف المؤسساتي باعتبارها عوامل متفاعلة في إنتاج النتائج التي شهدتها سورية.
ومع التحول السياسي الذي بدأ منذ نهاية عام 2024، انتقل النقاش إلى مرحلة جديدة تتعلق برفع العقوبات. وتبرز هنا ضرورة التمييز بين القرار السياسي بالرفع وبين الإجراءات القانونية اللازمة لتنفيذه، فضلاً عن اختلاف هذه الإجراءات باختلاف مصدر العقوبة والأساس القانوني الذي تستند إليه.
غير أن السؤال الأبعد أثراً يتعلق بما بعد الرفع. فرفع العقوبات قد يفتح مجالاً أمام التعافي الاقتصادي وإعادة بناء المؤسسات وإعادة إدماج سورية في الاقتصاد الدولي، لكنه لا يضمن وحده تحقيق هذه النتائج. كما أن منع عودة العقوبات لا يمكن اختزاله في مهام دبلوماسية، ولا يمكن ضمانه بالكامل من خلال الإصلاح الداخلي، لكنه قد يصبح أقل احتمالاً كلما ترافق التحول السياسي مع بناء مؤسسات أكثر فاعلية، وتعزيز سيادة القانون والمساءلة، وتحسين البيئة الاقتصادية والعلاقات الخارجية.
وعليه، فإن رفع العقوبات قد يمثل فرصة لسورية أكثر من كونه نهاية لملف العقوبات. وتبقى الاستفادة من هذه الفرصة مرتبطة بقدرة الدولة على تحويل الانفتاح الدولي إلى مسار مستدام لإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات والعلاقات الخارجية، بحيث لا يكون الهدف مجرد التخلص من العقوبات القائمة، وإنما بناء بيئة سياسية وقانونية واقتصادية تقلل من احتمالات عودتها.

