ابراهيم الشيخ عبدو
يشكل الوقود عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في سورية ودول المنطقة، فأسعاره لا ترتبط بحركة المركبات وحدها، بل تدخل في إنتاج الغذاء وتشغيل المصانع وتوليد الكهرباء ونقل السلع والخدمات. لذلك تتحول أي زيادة في أسعار البنزين أو المازوت أو الغاز إلى موجة غلاء واسعة، ولا سيما عندما تتزامن مع اضطراب الأسواق العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
وتبدو الأزمة في سورية أشد تعقيداً بسبب الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك الذي يرتفع باستمرار، وتضرر البنية التحتية النفطية ومصافي التكرير، وضعف القدرة على تمويل الاستيراد. وقد أصبح تأمين المحروقات عبئاً يومياً على الأسر وأصحاب الأعمال، فيما تتسع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة.
في الزراعة، ترفع كلفة المحروقات نفقات تشغيل مضخات الري والجرارات ونقل المحاصيل، فتنتقل الزيادة مباشرة إلى أسعار الخضار والحبوب والمواد الغذائية. وفي الصناعة، تعتمد منشآت كثيرة على المولدات الخاصة لتعويض انقطاع الكهرباء، ما يرفع كلفة الإنتاج ويضعف القدرة التنافسية للسلع المحلية.
أما قطاع النقل، فيتأثر بنقص التوريدات وارتفاع الأسعار، فتزداد أجور التنقل داخل المدن وبين المحافظات. وينعكس ذلك على الموظفين والطلاب والعمال، كما ترتفع تكاليف توزيع السلع وتقديم الخدمات العامة، فتتراجع القدرة الشرائية وتتزايد الضغوط الاجتماعية.
وتواجه الحكومة معادلة صعبة: تخفيف الدعم يحد من العجز المالي، لكنه قد يزيد التضخم ويضغط على الفئات الأقل دخلاً، بينما يستهلك استمرار الدعم موارد عامة كبيرة وقد لا يصل دائماً إلى مستحقيه. لذا فإن تعدد شرائح أسعار المازوت قد يقدم حلاً مؤقتاً، لكنه يحتاج إلى رقابة فعالة وآلية توزيع واضحة لمنع الاحتكار والتسرب إلى السوق السوداء.
كما تؤدي التوترات في الممرات البحرية، مثل باب المندب ومضيق هرمز، إلى زيادة أجور الشحن والتأمين، بينما يشجع تفاوت الأسعار بين الدول على التهريب، فيستنزف الموارد ويقلل الكميات المتاحة في الأسواق الرسمية.
إن معالجة الأزمة تتطلب سياسة متكاملة تجمع بين ترشيد الدعم وتوجيهه إلى الأسر والقطاعات الأشد حاجة، وتحسين النقل العام، وتشجيع الطاقة المتجددة، وإصلاح منشآت الإنتاج والتكرير، وضبط الحدود والأسواق. فالحل المستدام لا يقوم على رفع الأسعار وحده، بل على حماية الإنتاج والدخل وتأمين إمدادات مستقرة وعادلة تعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
تظل المحروقات مفتاح الاستقرار المعيشي والاقتصادي في سوريا وبقية دول المنطقة. وبينما تسعى الحكومات للوصول إلى صيغ تسعير وتوزيع توازن بين الإمكانيات المالية والقدرة الشرائية للشارع، يبقى الحل المستدام رهن بتنويع مصادر الطاقة، وتأمين سلاسل توريد مستقرة، وضبط منافذ الأسواق، ودعم القطاعات الإنتاجية الحيوية كالزراعة والصناعة.

