اليد المكسورة لا تبني وطنًا
د.رنا جابي
في قصر هارون الرشيد، حيث كانت الهيبة تسبق الخطا وكان العلم يملأ المجالس، ويعانق أروقة القصور سُجلت هناك مواقف أبقى من الكنوز وأكبر من التيجان مواقف لم تُحفظ لأنها في حضرة السلطان بل لأنها شهدت انحناء الحاكم أمام هيلمان العلم والمعرفة.
كان الكسائي إمامًا وعلمًا من أعلام زمانه وكان معلمًا لابني هارون الرشيد (الأمين والمأمون) يعلمهما ويهذبهما بما يليق بمقامهما الرفيع.
وذات يوم فرغ الكسائي من درسه وهمّ بالانصراف فإذا بالأمين والمأمون يتسابقا على حمل نعليه يريد كل منهما أن يحظى برضا أستاذه.
واختلفا ثم اتفقا على حمل كل منهما نعلًا لينال شرف تقديمه لمعلمه.
وقد بلغ الخبر الخليفة فاستدعى الكسائي ولما مثُل بين يديه سأله:
-من أعز الناس؟
-لا أعرف أعز من أمير المؤمنين!
-بل أعز الناس من تسابق وليا عهد المسلمين على حمل نعليه.
كان الرشيد يرى أن تواضع ابنيه أمام معلمهما لم ينقص من قدرهما ولم ينتقص من هيبة المُلك بل زادهما رفعة، ويعرف بأنه يملك قصرا وولداه ينتظران مُلكًا أما الكسائي فكان يملك ما هو أبقى وأثمن كان يملك علما تنحني التيجان له..
في ذلك الزمان لم يكن هناك يوما عالميًّا ولاعربيًّا للمعلم ولم تكن الشوارع ووسائل التواصل تمتلئ بشعارات التكريم ولا المنصات بعبارات الامتنان ولا المتاجر بالهدايا الخاصة بالمناسبات لأن احترام المعلم لم يكن مناسبة عابرة في التقويم بل كان ثقافة راسخة في الوجدان… حيث كان المعلم صاحب مكانة اجتماعية تليق برسالته أما اليوم فإني لأرى بأن الخطر الذي يهدد التعليم لا يبدأ دائما من المناهج ولا المباني ولا قلة الوسائل بل من اللحظة التي تهدر بها كرامة المعلم فأي تعليم تنتظر من معلم يلهث خلف لقمة العيش وأي إبداع تطلبه ممن يخرج من مدرسته إلى عمل ثاني وثالث ليعود مساء منهك الجسد مستنزف الروح وأي استقرار أسري نرجوه له وأي طمانينة نطلبها في فصله إذا كان القلق يسكن معه وينهش دماغه وقلبه ..
إن إضعاف المعلم في أوطاننا ليس أزمة مهنية فحسب بل هدم بطيء للمجتمع فهو اليد الأولى التي تصنع كل المهن والتخصصات لذا أرفع صوتي عاليًا وأصرخ صرخة”شراة” التي أثارت نخوة المعتصم…أعيدوا للمعلم كرامته وهيبته” أعيدوا أمنه الاقتصادي وحقه في حياة كريمة تليق بمن يحمل عقول الأمة بين يديه.
لا تطلبوا منه بناء الأجيال وهو عاجز عن بناء حياته لا تطلبوا منه زرع الطمأنينة بينما يسكنه القلق لا تطلبوا منه صناعة المستقبل وحاضره منهك ولا تطلبوا منه العدل والظلم يحيط به ..
ولنعي جيدًا أن الأمم الناهضة أدركت أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من الحجر بل من الإنسان وأن المدرسة لا تنهض بأحدث مبانيها مالم يكن في داخلها معلم مكرم مستقر قادر على أن يمنح طلابه أفضل ما لديه فمن أراد بناء أوطانا قوية لا يبحث أولا عن ارتفاع أبراجها بل يبحث عن مكانة المعلم فيها فالمجتمعات التي ترفع قدر المعلم ترتفع وتسمو ومن تكسر المعلم ثم تنتظر منه البناء كمن يطلب من يد مكسورة أن تبني وطنا.

