أ. رهف الجاسم
لطالما ارتبطت نهاية الحروب في المخيال العام ببداية التعافي الاقتصادي، إلا أن التجارب الدولية تثبت أن الاقتصاد لا ينهض بمجرد توقف المعارك. فإعادة بناء الدول عملية أكثر تعقيدًا من استعادة السيطرة على الأرض، إذ تحتاج إلى مؤسسات قوية، ورؤوس أموال، وثقة داخلية وخارجية، وسياسات اقتصادية واضحة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم حالة الركود التي تعيشها سوريا بوصفها نتيجة لتداخل عوامل داخلية وخارجية، لا لسبب واحد منفرد.
لقد خرجت سوريا من سنوات طويلة من الحرب باقتصاد منهك فقد جزءًا كبيرًا من قاعدته الإنتاجية. فالمصانع التي دُمّرت أو توقفت عن العمل لا يمكن أن تعود إلى الإنتاج بين ليلة وضحاها، والأراضي الزراعية التي تضررت تحتاج إلى استثمارات كبيرة لإعادة تأهيلها، كما أن شبكات النقل والطاقة والاتصالات تتطلب إنفاقًا هائلًا قبل أن تستعيد دورها في دعم النشاط الاقتصادي.
لكن الدمار المادي ليس سوى جزء من المشكلة. فالاقتصاد يقوم في جوهره على الثقة، والثقة تحتاج إلى استقرار تشريعي ومؤسسات فعالة وقضاء مستقل وإدارة عامة قادرة على تنفيذ القوانين بكفاءة. وفي المراحل الانتقالية، غالبًا ما يتردد المستثمرون في ضخ رؤوس أموالهم قبل اتضاح شكل النظام الاقتصادي والقانوني، وهو ما يؤدي إلى تباطؤ الاستثمار، وبالتالي تباطؤ خلق فرص العمل والإنتاج.
كما أن الأزمة النقدية تشكل أحد أبرز مظاهر الركود. فعندما تتراجع قيمة العملة وترتفع معدلات التضخم، تنخفض القدرة الشرائية للأسر، ويصبح الاستهلاك مقتصرًا على الاحتياجات الأساسية. وهذا الانخفاض في الطلب ينعكس مباشرة على الأسواق، حيث تتراجع المبيعات، ويخفض المنتجون حجم إنتاجهم، فتزداد البطالة وتدخل الأسواق في حلقة ركود يصعب كسرها دون تدخل اقتصادي مدروس.
ولا يمكن إغفال تأثير العقوبات الاقتصادية والقيود على النظام المالي والتجاري، إذ تحد هذه الإجراءات من قدرة الشركات على الاستيراد والتصدير والحصول على التمويل والتكنولوجيا، كما تؤثر في سرعة إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات، حتى مع وجود رغبة محلية في تنشيط الاقتصاد.
إلى جانب ذلك، فقد خسرت سوريا خلال سنوات الحرب جزءًا مهمًا من رأس مالها البشري. فهجرة الكفاءات والمهنيين وأصحاب الخبرات تركت فجوة يصعب تعويضها سريعًا، إذ لا يكفي توفر الأموال لإعادة بناء الاقتصاد إذا كانت الخبرات الفنية والإدارية غير متاحة بالقدر الكافي.
ومن العوامل التي تستحق الاهتمام أيضًا ضعف القطاع المصرفي ومحدودية التمويل. فالاقتصاد لا ينمو دون نظام مالي قادر على تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة والصناعات الجديدة. وعندما تصبح القروض نادرة أو مرتفعة التكلفة، يتراجع الاستثمار الخاص ويستمر الركود.
في المقابل، لا ينبغي النظر إلى هذا الواقع باعتباره قدرًا دائمًا. فقد أثبتت تجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات أن التعافي ممكن عندما تتوافر رؤية اقتصادية طويلة الأجل، تقوم على تشجيع الإنتاج بدلاً من الاقتصاد الريعي، وإصلاح الإدارة العامة، وتعزيز الشفافية، وتوفير بيئة قانونية مستقرة، والانفتاح على الاستثمارات، مع إعطاء الأولوية لإعادة تأهيل البنية التحتية والتعليم والتدريب المهني.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه سوريا اليوم لا يتمثل فقط في إعادة بناء ما هدمته الحرب، بل في بناء نموذج اقتصادي جديد قادر على خلق فرص العمل، وتحقيق الاستقرار النقدي، واستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء. فالازدهار لا تصنعه نهاية الحروب وحدها، وإنما تصنعه المؤسسات الكفؤة، والسياسات الرشيدة، والقدرة على تحويل السلام إلى تنمية مستدامة يشعر بثمارها جميع أفراد المجتمع.

