د. عبد القادر نعناع

تشهد المرحلة الانتقالية في سورية العديد من الملفات الشائكة، أو المستعصية يحتاج حلها إلى إجراءات جذرية، وعلى رأسها ملف المقاتلين الأجانب في سورية ومن ضمنهم الأوزبك، الذين يبلغ عددهم وفق تصريحات رسمية بضعة آلاف، فيما كان العدد قد بلغ ذروته في العقد الماضي عند 40 ألف مقاتل، ولا يُعلَم بالضبط لوسائل الإعلام حجم الوجود الفعلي لهؤلاء المقاتلين، لكن بعض التسريبات غير الرسمية ترى أن العدد ما يزال قرابة 10 آلاف مقاتل أجنبي معظمهم من وسط آسيا.

يرتبط وجودهم في سورية بعاملين أساسيين: عامل أيديولوجي متعلق بإقامة دولة الإسلام في سورية لتكون منصة جهادية نحو باقي الشرق الأوسط ومنه للعالم، وعامل أمني يتعلق بتوفير ملجأ لهم من دولهم التي تسعى لإلقاء القبض عليهم بتهم “إرهابية”. وبالتالي، يشكل هذا الوجود تهديدات للسيادة السورية في ظل اشتراطات محددة:

أولها، أن هذا الوجود مقبول دولياً من الولايات المتحدة على الأقل، إذ تذهب التسريبات إلى أن الولايات المتحدة وافقت على دمج قرابة 3500 عنصر أجنبي في الجيش السوري (أغلبهم من الأيغور والأوزبك)، وهذا أمر مستغرب يمكن أن يفهم في سياق إعادة توظيف هذه العناصر في مواجهات لاحقة في مناطق شرق أوسطية أو أبعد من ذلك، عبر استخدامهم كوكلاء في الحروب الدولية.

وثانيها، أن بعض هذه العناصر، غدا قيادياً في الجيش السوري الجديد، ما يعني تأثير هؤلاء في إدارة البلاد وفق توجهات غير وطنية، وبناء ولاءات على هذا الأساس، واحتمال وجود برامج غير سورية لاحقاً، داخل الجيش السوري. وخصوصاً أنه حتى الآن لم تتبلور عقيدة عسكرية سورية جديدة، واضحة لكافة السوريين، أو وجود معايير شفافة للانضمام إلى الجيش السوري، أو للترقيات التي تجري بشكل غير تدرجي، عدا عن أن الجيش السوري لحد الآن هو عبارة عن عدة فصائل غير مندمجة نهائياً في عقيدة عسكرية وطنية جامعة.

وثالثها، أن خفوت العامل الأيديولوجي المبرِّر لوجودهم في سورية، قد يدفع بعضهم للانتفاض على المشهد السوري الحالي، وخصوصاً أن انفكاك النصرة عن القاعدة عام 2016، كان تنظيمياً أكثر منه عقدياً، ما يعني احتمالية ارتباط هذه العناصر بتنظيم القاعدة أو تنظيمات جهادية عقدياً على الأقل، وتنظيمياً في تصورات أخرى، ما يجعلهم رأس حربة متقدمة في سورية لتلك التنظيمات، وخاصة إن ارتفعت حالات الامتعاض من التغيرات التي تبدو في سلوك القيادات السابقة لهيئة تحرير الشام، نحو الانفكاك المستمر عن العقيدة الجهادية، ومحاولاتهم التخفيف من خطابهم الديني المتشدد.

ورابعها، أن كثيراً من الدول الإقليمية تبدي تحفظاتها أو مخاوفها أو رفضها لهذا الوجود، وخصوصاً أن المقاتلين الأجانب في سورية ملاحقون من دولهم، ويؤثر ذلك بشكل واضح على طبيعة العلاقات السورية بعديد من الدول الإقليمية.

ويبدو أن السلطات الانتقالية في سورية ملتزمة إلى حد الآن بإدماج غالبيتهم في القوات السورية، مع تفكيك تدريجي لتشكيلاتهم الخاصة، وربما تحييد أو إلقاء القبض على الشبكات الأكثر خطورة منهم. لكن لم يتضح بعد حجم عمليات التجنيس التي تمت أو قد تتم في المرحلة المقبلة لهؤلاء المقاتلين.

ويبقى حجم نفوذهم في المؤسسات الأمنية غير واضح تماماً، وإن كانت هناك بعض الأسماء التي باتت معلومة، مثل الأسترالي والمصري والأردني، إلا أن حجم النفوذ والتأثير والقيادة يبقى غير واضح، لكنه على ما نعتقد يبقى مضبوطاً بالقيادات السورية أكثر منه نفوذاً مستقلاً، وإن كانت بعض الفرق العسكرية ذات غالبية أجنبية.

إن نجاح الحكومة المؤقتة في تحويل هذا الملف من عبء أمني عابر للحدود، إلى ملف سيادي خاضع للمؤسسات السورية والرقابة البرلمانية، هو أحد أهم اختبارات نجاح مشروع إعادة بناء الدولة السورية في المرحلة الانتقالية، في حين أن الإخفاق فيه، قد يقود إلى صدامات أكثر خطورة، وعلى أسس عقدية جهادية لم يتم تجاوزها نهائياً بعد في سورية، في ظل دولة ما تزال هشة أو حتى فاشلة.

وللوصول إلى تسوية سلمية تراعي أيضاً معايير حقوق الإنسان، لابد من بناء تسوية تنتظم وفق القانون الدولي، ووفق قانون سوري جديد للتجنيس، ذي معايير شفافة يمكن تطبيقها على كل من تنطبق عليه ذات الشروط، ما يجعل عملية التجنيس شرعية وإنسانية. ويمكن الاستفادة من الحالات السابقة والمشابهة للحالة السورية، وخصوصاً البوسنة وليبيا والعراق والشيشان، وفق نهج وطني منفصل عن الأبعاد الجهادية الدولية، يمنع تحول هذه الفواعل من دون الدولة إلى فواعل سياسية أو عسكرية أو اقتصادية موازية للدولة السورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *