أ.روضة تشتش

كثير من الناس يمر عليهم شعور “أنا آكل بدون ما أحس” أو يفتح الثلاجة بدون وجود جوع حقيقي، لكن الموضوع أعمق من مجرد سلوك غذائي بسيط، فالأكل ليس دائمًا استجابة لحاجة جسدية، بل قد يكون استجابة مباشرة لحالة نفسية داخلية، وهنا يحدث الخلط عند كثير من الأشخاص.

يوضح علم النفس والتغذية أن هذه الحالة لا ترتبط بضعف الإرادة، بل بنمط نفسي–عصبي يُعرف باسم الأكل العاطفي Emotional Eating.

الجوع الحقيقي هو استجابة بيولوجية طبيعية يرسلها الجسم عندما يحتاج إلى الطاقة، ويظهر تدريجيًا ويمكن تأجيله، كما أنه لا يرتبط بنوع معين من الطعام، ويختفي بعد الشعور بالشبع.

أما الجوع العاطفي فهو استجابة نفسية ناتجة عن مشاعر غير مريحة مثل التوتر، القلق، الوحدة أو الملل، حيث لا يبحث الدماغ عن طعام بحد ذاته، بل عن وسيلة سريعة للراحة.

في هذه الحالة، تميل الدماغ إلى اختيار الأطعمة الغنية بالسكر والدهون، لأنها تنشط نظام المكافأة في الدماغ وتؤدي إلى إفراز الدوبامين، مما يمنح شعورًا مؤقتًا بالارتياح. إلا أن هذا التأثير قصير المدى، وغالبًا ما يتبعه شعور بالذنب أو العودة لنفس السلوك.

تشير دراسات في علم النفس الغذائي إلى أن نسبة تتراوح بين 30% إلى 60% من حالات الأكل الزائد لدى البالغين ترتبط بالعوامل العاطفية وليس بالجوع الفيزيولوجي الحقيقي، كما أن التوتر المزمن يؤدي إلى ارتفاع هرمون الكورتيزول، وهو هرمون يرتبط بزيادة الرغبة في تناول الأطعمة عالية السعرات، حتى في غياب الحاجة الفعلية للطعام.

يمكن التمييز بين النوعين من الجوع من خلال السلوك؛ فالجوع الحقيقي يظهر تدريجيًا، ويمكن تأجيله، ولا يرتبط بطعام معين، بينما الجوع العاطفي يظهر بشكل مفاجئ، ويكون مرتبطًا بأطعمة محددة مثل الحلويات أو الوجبات السريعة، ويصاحبه إحساس بالإلحاح ولا يختفي بعد الأكل بسهولة.

يفسر علم الأعصاب هذا السلوك من خلال نظام المكافأة في الدماغ، حيث يتم ربط الطعام بالراحة النفسية، ومع تكرار هذا النمط يتحول إلى دائرة مفرغة تبدأ بمشاعر سلبية ثم الأكل ثم راحة مؤقتة يليها شعور بالذنب، ثم تعود الدورة من جديد..

لا يعتمد التعامل مع هذا السلوك على المنع أو الحميات القاسية، بل على الوعي وإعادة تدريب الاستجابة. عند الشعور برغبة مفاجئة في الأكل، يمكن التوقف مؤقتًا وسؤال النفس: هل هذا جوع جسدي أم شعور عاطفي؟ ثم تأخير الاستجابة لبضع دقائق، مع تغيير الحالة النفسية أو الجسدية مثل المشي أو التنفس العميق أو التعبير عن المشاعر. وفي حال استمرار الجوع، يمكن الأكل ولكن بوعي وبدون اندفاع.

الأكل العاطفي ليس مشكلة طعام، بل هو طريقة تعلمها الدماغ للتعامل مع الضغط، وكلما زاد الوعي بالمشاعر بدل كبتها، قل

الاعتماد على الطعام كوسيلة تهدئة، وتحسن التحكم بالسلوك الغذائي بشكل طبيعي دون حرمان أو صراع داخلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *