أ.رنا جابي
لم تكن الأميّة في المجتمع العربي قبل الإسلام وصمةً عار تُلصق على الجبين، ولا سُبّةً تُرمى بها الجباه، بل كانت سمةً اجتماعيةً مألوفة، تنشأ في بيئةٍ اتخذت من الذاكرة وعاءً، ومن اللسان ديوانًا، ومن الرواية الشفهية مدرسةً لا تنطفئ مصابيحها. هناك، حيث تُصاغ الحكمة شعرًا، وتُحفظ القصيدة في الصدور لا في السطور، كان العربي—وإن لم يخطّ حرفًا—سيد البيان، وحافظ التاريخ، ووارث لغةٍ تُدهش بفطرتها قبل صناعتها…
في ذلك الوقت، لم تكن الأمية تعني خواءً ثقافيًا، ولا عجزًا عن الإدراك، بل كانت انعكاسًا لطبيعة مجتمعٍ لا يكتب بقدر ما يعبر مشافهة، ولا يدوّن بقدر ما يُبدع ارتجالًا. فكم من شاعرٍ لم يمسك قلمًا، ومع ذلك كانت كلماته دنانير ذهب تلمع، وتُخلَّد في الذاكرة الجمعية كما تُخلَّد النقوش في الحجر…
غير أن الأمية حين تُنسب إلى النبي ﷺ، تتجاوز هذا الإطار الاجتماعي الضيق لتدخل أفقًا أرحب، ومعنى أعمق. فهي ليست امتدادًا لحال قومه، بل خصوصيةٌ مقصودة، بقيت فيه مع توافر أسباب التعلّم من حوله، لتكون شاهدًا ناطقًا على صدق الرسالة، وبرهانًا قاطعًا يبدّد كل شبهة.
إنها أميةٌ تحوّلت من عجزٍ ظاهري إلى إعجاز مبهر، ومن نقصٍ في ميزان البشر إلى كمالٍ في ميزان الحقيقة. نبيٌّ لم يقرأ صحيفةً يومًا، ولم يخطّ حرفًا بيده، ثم يأتي بكتابٍ أعجز العرب في بلاغتهم وفصاحتهم، والعجم في حسن تعبيرهم وقوة تأثيرهم، ووقف أمامه البيان الإنساني مبهورًا لا يجد سبيلًا إلى مجاراته. فكيف يكون ذلك إلا وحيًا من عند الله؟
وهنا يتجلّى الفرق جليًا!
أمية العرب كانت حالةً اجتماعية، أما أمية النبي ﷺ فهي دليل نبوة، لأنها تقطع الطريق على كل دعوى اقتباس، وتكشف استحالة أن يصدر هذا البيان المهيب من رجلٍ لم يتعلّم القراءة والكتابة. ولأجل ذلك، لم تكن أميته جهلًا بالعلوم، بل كانت انقطاعًا عن أدوات الكتابة، لتبقى الرسالة نقية المصدر، صافية الدلالة، تشهد لنفسها بنفسها.
وهكذا، تحوّلت الأمية في شخصه ﷺ من وصفٍ بشري إلى آيةٍ ربانية، ومن سكون الحرف إلى انطلاق المعنى، ومن غياب القلم إلى حضور الوحي… فكان ذلك أبلغ بيان، وأصدق برهان.
