د. زكريا ملاحفجي

تطرأ الباحث إلى التحولات الاجتماعية والثقافية في دمشق في حقبة زمنية مفصلية في تاريخ دمشق خلال 68 سنة والتي جرى فيها الكثير من الأحداث ومن العبر التاريخية والتي لاتزال ظلالها إلى يومنا هذا،  و تطرأ الباحث إلى حقيقة الإشكال التاريخي بين العرب والأتراك في مرحلة الاتحاد والترقي وهذه للآن يُخطئ في قراءتها العرب والأتراك أو ربما يتعمد البعض ذلك، فلم تكن العلاقة بين العرب والأتراك عبر التاريخ قائمة على العداء أو الصراع المستمر كما تحاول بعض السرديات الحديثة تصويرها، بل تشكلت هذه العلاقة عبر قرون طويلة من التداخل الحضاري والسياسي والديني داخل إطار الدولة العثمانية، التي جمعت شعوبًا متعددة تحت راية واحدة. فقد عاش العرب والأتراك ضمن منظومة سياسية وثقافية مشتركة لما يقارب أربعة قرون، وكان الرابط الإسلامي والحضاري هو العنصر الأساسي الذي حافظ على وحدة هذا الكيان الكبير رغم تعدد الأعراق واللغات والثقافات.

غير أن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين شهدتا تحولات عميقة هزّت بنية الدولة العثمانية من الداخل، بالتزامن مع تصاعد النفوذ الأوروبي وتوسع المشاريع القومية الحديثة. وفي قلب هذه التحولات برزت جمعية الاتحاد والترقي التي قادت انقلابًا سياسيًا وفكريًا داخل الدولة العثمانية، وغيّرت طبيعة العلاقة بين العرب والأتراك، لتبدأ مرحلة جديدة من التوترات السياسية والاجتماعية والثقافية التي ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

إن فهم حقيقة المشكلة بين العرب والأتراك لا يمكن أن يتم من خلال قراءة سطحية للتاريخ أو اختزال الأحداث في ثنائية “الظالم والمظلوم”، بل يحتاج إلى فهم أعمق للسياقات السياسية والفكرية والاجتماعية التي صنعت تلك المرحلة، وخاصة التحولات التي أصابت المجتمع الدمشقي أو العرب الذي كان يطالب بخصوصية للعرب للاحتفاظ بثقافته، فقوبل من عناصر الاتحاد والترقي بالإعدامات والظلم والذي أدى إلى انفجار ثورة استغلها الاحتلال البريطاني والفرنسي، كما وضح الباحث في رسالته.

عاشت دمشق خلال قرون مركزًا دينيًا وتجاريًا مهمًا، وممرًا رئيسيًا لقوافل الحج والتجارة، كما حافظ المجتمع الدمشقي على طابعه الإسلامي المحافظ المتسامح المعتدل ويعيش المجتمع الشامي الذي يحوي المسلم والمسيحي واليهودي جنباً إلى جنب بروح أخوية مميزة، رغم كانت المؤسسة الدينية تلعب دورًا محوريًا في تنظيم الحياة العامة والتعليم والقضاء والعلاقات الاجتماعية.

ولم تحصل مشاكل وفتن طائفية إلا بشحن خارجي كما حصل مثلاً بين المسيحيين والدروز عام 1860م وأطفأها المسلمون.

وفي تلك المرحلة التاريخية، لم تكن القومية بالمفهوم الحديث قد أصبحت العنصر الأساسي في تشكيل الهوية السياسية. فالانتماء الديني والحضاري كان أقوى من الانتماءات العرقية، ولذلك لم يكن العربي يرى التركي باعتباره “خصمًا قوميًّا”، كما لم يكن التركي ينظر إلى العربي بوصفه شعبًا منفصلًا عنه حضاريًا. بل كان الجميع جزءًا من منظومة سياسية إسلامية واحدة، رغم وجود بعض الاختلالات الإدارية والاقتصادية التي كانت تظهر من حين لآخر.

لكن صعود الأفكار القومية في أوروبا، وأصبحت القوى الأوروبية تنظر إلى القوميات داخل الدولة العثمانية كوسيلة لتفكيكها وإضعافها، وهو ما أدى إلى انتشار الفكر القومي بين بعض النخب التركية والذي بطبيعة الحال ورد الفعل أدى إلى تنامي الفكر القومي العربي، ولكنه ضاع في النوايا الطيبة مع الإنكليز وغيرهم، فلا مجال للنوايا الطيبة في السياسة.!!

مثّلت جمعية الاتحاد والترقي نقطة التحول الكبرى في تاريخ الدولة العثمانية الحديث. فقد تبنّى قادتها نموذجًا قوميًّا متأثرًا بالفكر الأوروبي، وسعوا إلى إعادة بناء الدولة على أساس “الهوية التركية” بدلاً من الهوية الإسلامية الجامعة التي حكمت الدولة لقرون.

بعد انقلابهم على السلطان عبد الحميد الثاني، بدأت سياسات جديدة تقوم على المركزية الشديدة ومحاولة صهر مختلف الشعوب داخل إطار قومي تركي.

 وهنا بدأت الأزمة الحقيقية بين العرب والأتراك، ليس بوصفها أزمة بين شعبين، بل بوصفها أزمة بين مشروعين سياسيين مختلفين.

شعر العرب، وخاصة النخب الثقافية والسياسية في دمشق وبيروت، بأنهم أصبحوا مهمشين داخل الدولة، وأن اللغة العربية والثقافة العربية بدأت تتراجع أمام مشروع التتريك. كما أدى التضييق السياسي وملاحقة بعض الحركات العربية إلى زيادة الشعور بالغضب والاغتراب داخل الولايات العربية.

لكن في المقابل، كان قادة الاتحاد والترقي يرون أن الدولة العثمانية تتفكك، وأن الحل الوحيد لإنقاذها هو بناء هوية قومية مركزية قوية على النموذج الأوروبي. وهكذا دخلت الدولة في صراع داخلي بين فكرة “الدولة الإسلامية الجامعة” التي حاول عبد الحميد يعززها وبين فكرة “الدولة القومية الحديثة”.

لم تكن القوى الأوروبية بعيدة عن هذه التحولات، بل لعبت دورًا أساسيًا في تغذية الانقسام بين العرب والأتراك. فقد دعمت بريطانيا وفرنسا الحركات القومية العربية، وقدّمت نفسها للعرب باعتبارها حليفًا يساعدهم على التحرر، بينما كان الهدف الحقيقي هو تقاسم الإرث السياسي والجغرافي.

استخدم الأوروبيون الخطاب القومي كأداة استراتيجية، فشجعوا النخب العربية على الانفصال عن إسطنبول، وفي الوقت نفسه غذّوا النزعة القومية التركية داخل الدولة العثمانية. وهكذا تحوّل الصراع تدريجيًا من أزمة سياسية داخلية إلى قطيعة نفسية وثقافية بين العرب والأتراك.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، دخلت الدولة العثمانية مرحلة الانهيار النهائي، لتسقط دمشق لاحقًا تحت الاحتلال الفرنسي، وتبدأ مرحلة جديدة من التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة.

شهدت المدينة خلال هذه الحقبة والتي تليها تطورًا في البنية التحتية والخدمات العامة، فتم إنشاء المدارس الحديثة، وتوسيع شبكات الطرق والمواصلات، وربط دمشق بالعالم الخارجي عبر الهاتف والبرق وسكك الحديد. كما ظهرت أنماط جديدة من الإدارة والتنظيم المدني.

لكن هذه التغيرات لم تكن تقنية فقط، بل حملت معها تحولات اجتماعية عميقة. فقد بدأت الطبقات المدنية المتعلمة تتأثر بالنمط الأوروبي في اللباس والسلوك وأسلوب الحياة، وظهرت مفاهيم جديدة مرتبطة بالفردانية والتحرر الاجتماعي والانفتاح الثقافي.

كما ذكر الكاتب دور المرأة المحدود وعزلها عن الحياة العامة كأسلوب ومنهج حياة متبع كان خلال حكم العثمانيين، وتحدث عن طريقة اللباس الدمشقي الخاص بأهل الشام والذي بدأ يتغير بعد الحرب العالمية الأولى وكانت وجهة نظر الباحث وجهة نظر إسلامية في قراءته للتغيرات الحاصلة.

كان للتحولات الثقافية أثر أعمق من التغيرات السياسية نفسها. فقد أصبحت المدارس الأجنبية والإرساليات الأوروبية أدوات رئيسية لنشر الثقافة الغربية داخل المجتمع الدمشقي. وترافق ذلك مع انتشار الصحافة الحديثة والأفكار القومية والمفاهيم الأوروبية المتعلقة بالدولة والمجتمع.

ومع مرور الوقت، بدأت المرجعية الدينية التقليدية تفقد جزءًا من تأثيرها على الحياة العامة، بعد أن كانت تتحكم في معظم تفاصيل المجتمع.

هذا التحول أدى إلى حالة من الازدواجية داخل المجتمع الدمشقي؛ فمن جهة بقيت الهوية الإسلامية حاضرة بقوة في الوعي الشعبي، ومن جهة أخرى أصبحت الثقافة الأوروبية تؤثر في التعليم والفكر والإدارة والحياة اليومية.

إن التحولات التي شهدتها دمشق في نهاية العهد العثماني وبداية الاحتلال الفرنسي لم تكن مجرد تغيرات سياسية عابرة، بل كانت بداية لمرحلة جديدة أعادت تشكيل المجتمع ثقافيًا واجتماعيًا وفكريًا.

إن فهم هذه المرحلة بوعي وموضوعية يسمح بإعادة قراءة التاريخ بعيدًا عن الأحكام العاطفية والسرديات القومية الضيقة. فالعلاقة بين العرب والأتراك كانت في جوهرها علاقة حضارية عميقة، وما حدث في أواخر الدولة العثمانية كان نتيجة أزمة سياسية وفكرية معقدة أكثر من كونه صراعًا طبيعيًا بين شعبين.

وتسليط الضوء على أنه لا مكان للنوايا الطيبة في السياسة، وعلى أهمية التعايش الذي كان في بلاد الشام بروح أخوية إنسانية عالية، وحتى أحياء المسيحيين أو اليهود أو الطائف كأحياء خاصة كانت لخصوصيتهم مع أبناء ملّتهم وليس حالة انعزال داخل المجتمع فالتجارة والحرف والأعراس والعزاء تجمع الجميع.

إن فهم تلك المرحلة مهم للحاضر والمستقبل والتاريخ هو تغيير واستجابة لهذا التغيير وهذا حالة متحركة مستمرة في حياة البشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *