مجلس الشعب الجديد بين شرعية التمثيل واختبار الأداء

“أ. بشير قوجة” عضو المكتب السياسي في الحركة الوطنية السورية

مع إعلان تشكيل مجلس الشعب الجديد، بدأت مرحلة سياسية تحمل آمالاً كبيرة، يقابلها حجم مماثل من التحديات، فالأنظار لم تعد تتجه إلى أسماء الأعضاء بقدر ما تتجه إلى طبيعة الأداء الذي سيقدمه المجلس، وقدرته على أن يكون شريكاً حقيقياً في صناعة القرار الوطني ومعبراً عن التنوع السوري، وقدرته على ملامسة القضايا التي تشغل المواطنين.

منذ الإعلان عن التشكيلة شهدت بعض المحافظات احتجاجات واعتراضات على آلية الاختيار، وبرزت أصوات اعتبرت أن بعض المناطق لم تحصل على تمثيل يتناسب مع حضورها أو تطلعاتها، كما طُُرحت تساؤلات حول آليات الاختيار ومدى انعكاسها على التوازنات المحلية. وفي المقابل.. رأت أصوات أخرى أن المرحلة الانتقالية تفرض مقاربات مختلفة، وأن الحكم الحقيقي يجب أن يكون على أداء المجلس بعد بدء عمله.
ومن أبرز القضايا التي أثارت النقاش أيضاً حجم تمثيل المرأة داخل المجلس، فرغم حضور النساء في التشكيلة الجديدة ما زالت شريحة واسعة من السوريين ترى أن المرحلة القادمة تستدعي توسيع مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار، انطلاقاً من دورها الكبير الذي أدته خلال سنوات الثورة والحرب، سواء في العمل الإنساني، أو التعليم أو الإعلام أو الإدارة المحلية والدفاع المدني أو الحفاظ على تماسك الأسرة والمجتمع.
إن تعزيز حضور المرأة لا يمثل استجابة لمطلب اجتماعي فحسب، وإنما يضيف خبرات ورؤى متنوعة تسهم في رفع جودة العمل التشريعي والرقابي.

لكن التحدي الأكبر الذي ينتظر مجلس الشعب لا يتعلق بالجدل الذي رافق تشكيله، بقدر تعلقه في تحقيق نتائج ملموسة، المواطن السوري ينتظر تشريعات تساهم في تحسين الواقع الاقتصادي وتسهيل الاستثمار وخلق فرص العمل وتطوير الخدمات، اضافة لإزالة العقبات الإدارية التي تعيق حركة التنمية.
كما أنه ينتظر رقابة برلمانية فعالة تتابع أداء الحكومة، وتقيّم تنفيذ الخطط، وتعزز مبادئ الشفافية والمساءلة.
وتبرز أمام المجلس أيضاً مسؤولية المساهمة في ترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي، من خلال تشريعات تعزز سيادة القانون، وتدعم اللامركزية الإدارية، وتفتح المجال أمام مشاركة أوسع للكفاءات الوطنية في رسم السياسات العامة، فالدولة التي تتجه نحو إعادة البناء تحتاج إلى مؤسسات قوية تستوعب التنوع، وتحول الاختلاف في الرأي إلى حوار منتج داخل المؤسسات.

لقد أثبتت التجارب السياسية أن شرعية أي برلمان لا تُبنى يوم إعلان تشكيله، وإنما تتشكل مع مرور الوقت عبر قدرته على تمثيل المواطنين والاستماع إلى مطالبهم، وتحويلها إلى سياسات وقوانين قابلة للتنفيذ.
لذلك فإن مجلس الشعب السوري يقف اليوم أمام اختبار حقيقي، عنوانه الإنجاز، وليس الشعارات.
نجاح تجربة المجلس الجديد ستعزز الثقة بالمؤسسات، وتمنح الحياة السياسية دفعة جديدة نحو الاستقرار والتنمية، أما الطريق إلى هذا النجاح فيمر عبر الحوار مع المجتمع والانفتاح على النقد المسؤول، وتحويل التحديات التي ظهرت منذ اليوم الأول إلى فرص لإرساء تجربة برلمانية أكثر نضجاً وتمثيلاً وفاعلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *