أ.حسن ملاحفجي
تُعدّ اللغات من أهم وسائل التواصل بين الشعوب، فهي الأداة التي استخدمها الإنسان منذ القدم للتعبير عن أفكاره ومشاعره ونقل معارفه وتجارب حياته. ومن خلال اللغة استطاعت الحضارات أن تبني ثقافاتها وتدوّن تاريخها وتطوّر علومها، لذلك فإن اللغة ليست مجرد وسيلة للكلام، بل هي جزء أساسي من هوية الإنسان والمجتمع وبها تميز البشر.
ويعتقد الباحثون أن أقدم اللغات المكتوبة في التاريخ هي اللغة السومرية، والمصرية القديمة، والآكادية، حيث استخدمتها الحضارات القديمة في تدوين القوانين والقصص والمعاملات التجارية والطقوس الدينية. وقد مثّلت الكتابة آنذاك نقطة تحول كبيرة في تاريخ البشرية، لأنها ساعدت على حفظ المعرفة ونقلها عبر الأجيال.
ويرى بعض العلماء أن البشر في بداية التاريخ ربما كانوا يتحدثون لغة واحدة، ثم مع مرور الزمن وانتشار الناس في مناطق مختلفة من العالم، بدأت تلك اللغة تتفرع وتنشأ منها لغات متعددة ومتنوعة. ومع تطور المجتمعات واختلاف البيئات والثقافات، تطورت اللغات أيضًا وتغيّرت مفرداتها وأساليبها.
وهذا دليل على أن اللغة ليست ثابتة، بل تتغير مع الزمن. فاللغة الإنجليزية مثلًا تختلف اليوم بشكل كبير عن الإنجليزية التي كانت تُستخدم قبل ألف عام، سواء من حيث الكلمات أو طريقة الكتابة أو النطق. وهذا الأمر ينطبق على معظم لغات العالم التي شهدت تطورات مستمرة عبر العصور.
وبعد ظهور اللغة المنطوقة، اخترع الإنسان الكتابة بهدف تسجيل القوانين والقصص وتنظيم التجارة والحياة اليومية. وقد بدأت الكتابة على شكل رسومات ورموز بسيطة، ثم تطورت تدريجيًا إلى حروف وكلمات وجمل كما نعرفها اليوم.
كما أن هناك تشابهًا بين بعض اللغات بسبب انحدارها من أصل لغوي واحد. فاللغة العربية والعبرية مثلًا تنتميان إلى اللغات السامية، بينما تنتمي التركية والأذرية إلى اللغات التركية، أما الإسبانية والفرنسية والإيطالية فتُعرف باللغات الرومنسية لأنها تعود في أصولها إلى اللغة اللاتينية.
ولم يأتِ التشابه بين اللغات من الأصل المشترك فقط، بل ساهمت عوامل أخرى في ذلك، مثل الغزوات والحروب والتجارة والسفر والتبادل الثقافي بين الشعوب. فاللغة التركية تحتوي على عدد كبير من الكلمات العربية، وصل عددها إلى ثلاثة آلاف مفردة، كما أن اللغة الإنجليزية تضم كلمات كثيرة مأخوذة من لغات متعددة حول العالم. كذلك لعب انتشار الأديان والكتب المقدسة دورًا مهمًا في انتقال الكلمات والمصطلحات بين الشعوب والثقافات.
ويُقدَّر عدد اللغات الموجودة في العالم بأكثر من سبعة آلاف لغة، تختلف في طريقة النطق والكتابة والقواعد. وتُعد اللغة الصينية المندرينية أكثر لغات العالم من حيث عدد المتحدثين. وهناك لغات تعتمد بشكل كبير على نبرة الصوت في تحديد المعنى، مثل اللغة الصينية، حيث قد تختلف معاني الكلمات باختلاف طريقة لفظها.
وفي المقابل، توجد لغات مهددة بالاندثار بسبب قلة عدد المتحدثين بها. ومن أندر لغات العالم لغة “التاوشيرو”، إذ لم يبقَ من المتحدثين بها بطلاقة سوى شخص واحد يُدعى أماديو غارسيا، يعيش في البيرو. ويقوم هذا الرجل بكتابة القصص والكتب بلغته في محاولة للحفاظ عليها ومنعها من الانقراض.
وفي النهاية، تبقى اللغات من أعظم إنجازات البشرية، لأنها الجسر الذي يربط بين الشعوب والثقافات، ووسيلة لحفظ التاريخ والمعرفة والهوية الإنسانية عبر الزمن.
وهناك لغات اعتمدت رسمياً في الأمم المتحدة وهي الإنجليزية والفرنسية والروسية والصينية والإسبانية والعربية.
حسين ملاحفجي
